بغيتها حتى إنها كررت سعيها سبع مرات! أي كان هنالك تصميم وثبات وعدم يأس من
تحقيق بغيتها. ولقد كان بإمكانها أن تعذر إلى الله ـ سبحانه ـ بأن تسعى مرة أو مرتين.
وهو الملمح الذي يذكِّر الدعاة بطرْق أبواب الخير مرات ومرات حتى تفتح، وأحرى لمن
داوم على قرع الباب أن يُفتح له.
فالداعية صاحب قضية، وهو دومًا يتطلع إلى المعالي، ولا تعوقه مغريات الأرض، ولا ثقلة
الطين حتى يتحقق هدفه العظيم، كما قال أحمد محمد الصديق:
يتعالى عن أراجيف الثرى نافضًا عنه غبارَ التهم
من تكن عيناه للأرض فلن يتسامى أبدًا للأنجم
خامسها: بعد هذا المجهود المتكرر، والسعي الشاق المضني، والأخذ بكل الأسباب لا يسفر
ذلك عن شيء، حتى كان الفرج بيده ـ سبحانه ـ المطَّلع على هذا الأمر، فأرسل جبريل ـ عليه السلام ـ ليضرب بعقبه أو بجناحه الأرض فتتفجر زمزم.
وهو الملمح الذي يذكِّر الدعاة بالفقه الجيد لقضية التوكل على الله؛ وذلك بأن يسعوا في الأسباب ـ وبأفضل الأسباب ـ مع القناعة الداخلية بعدم الركون إليها، ثم مع اليقين فيما عنده ـ سبحانه ـ: (( مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ومَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ) ) [النحل: 96]
والفرج بيده ـ سبحانه ـ وحده مالك الملك، ومقدِّر الأقدار؛ لذا فإن الجوارح تعمل
بالأسباب، والقلب يناجي رب هذه الأسباب: (( بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ).
[آل عمران: 26] .
وثمرة هذه القضية هو الخلوص والتجرد للحق ـ سبحانه ـ (( وظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ) ). [التوبة: 118] .
ب - أما بالنسبة للقضية الكبرى والمغزى العظيم من ركن السعي؛ فإن هذا العمل الذي
يقوم به كل حاج ومعتمر يكاد يكون بكل دقائقه هو ما قامت به هاجر ـ عليها السلام ـ
نفسه، وكأنها رسمت الخُطا للاَّحقين في كل عصر وفي كل جيل؛ فلا تتم لهم عمرة ولا
حج إلا به، ثم ليتدبروا بعض الدروس التربوية منه. ولا يكاد يخلو هذا المكان من ساع