ج - في وصفه ـ سبحانه ـ لحالة الذِّكر المنشودة: (( فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ) ) [البقرة: 200] نستشعر مدى أهمية تنقية النية وتصفيتها؛ فإذا كانت الغاية هي
الله ـ سبحانه ـ فيجب ألاَّ تختلط بغايات أو رايات أخرى.
كذلك يتبين لنا أهمية وجود العقلية المسلمة المرتبة التي تفقه أولوياتها؛ فمن كان همه رضا
خالقه ـ سبحانه ـ فينبغي ألاَّ تعيقه أي اهتمامات أخرى حتى وإن كان الوالد أو الولد؛
ففي تلك المواقف يصبح الاهتمام بالموروثات القبلية مثل مجد الآباء والأجداد، والفخر
بالأبناء والأموال من قبيل النزول من القمة إلى السفح، ومن الاهتمام والتمحور حول الأفكار
والمبادئ إلى التفاخر بالوسائل المادية كالأرض والطين. والحق ـ سبحانه ـ يحب معالي
الأمور.
د - ثم يبين الحق ـ سبحانه ـ خلقًا آخر يوصي به السائرين: (( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) ) [البقرة: 199] . هذا وإن كانت هذه وصيته ـ سبحانه ـ بأن تلتزم قريش بالوقوف مع الناس، وعدم التمايز المكاني؛ فقد كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ـ وكانوا يُسَمَّوْن: الحُمْس ـ وسائر العرب يقفون بعرفات؛ فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها؛ ثم يفيض منها؛ فذلك قوله: (( مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ) )" (11) ."
ولكننا نستشعر هنا المعنى التربوي البعيد للنص؛ حيث يدعو السائرين في كل درب وفي كل
مجال إلى التخلق بخلق المساواة والعدل والتسوية بين الأفراد وعدم التمايز الذي من شأنه
أن يمنع تولد الحقد والبغضاء والحسد داخل أي تجمع؛ فما بالك بالسائرين على درب
المشروع الحضاري؟!
ولقد كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يتتبع هذا الخلق في كل مجال.
وتدبَّرْ هذا السلوك النبوي التربوي الرفيع؛ فعن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ