"أن أباه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي."
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه". وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"
"أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم. فرجع أبي"
فردَّ الصدقة". وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا بشير! ألك ولد
سوى هذا؟ قال: نعم. قال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تُشهدني إذًا؛
فإني لا أشهد على جَوْر. ثم قال: أيسرُّك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى! قال:
فلا إذًا" (12) ."
وكذلك كان شعور كل فرد من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، وكأنه هو المقرب والمفضل
عنده صلى الله عليه وسلم.
ويستشعر الداعية أيضًا كيف أن بعضًا من داخل أي مؤسسة ـ خاصة المؤسسات الدعوية ـ
قد يصيبه حالة اعتلالية يرى فيها نفسه فوق الآخرين، فينظر إلى موقعه التنظيمي ويقيِّم
الآخرين على أساس تقدمه عليهم، ولا يفيض في الحركة الدعوية من حيث أفاض الناس،
وهي (ظاهرة الغرور التنظيمي) ، ولو تدبر قليلًا لوجد الرد الإلهي واضحًا في سورة عبس؛
وهي السورة التي وضعت أساسات وموازين تقييم الناس.
هـ - وفي قوله ـ سبحانه ـ: (( فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . ومِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسَابِ ) ) [البقرة: 200 - 202] .
(إن هناك فريقين: فريقًا همه الدنيا، فهو حريص عليها مشغول بها، ويذكرها حتى حين
يتوجه إلى الله بالدعاء؛ لأنها هي التي تشغله، وتملأ فراغ نفسه، وتحيط عالمه وتغلقه