وهذا المغزى الانضباطي التربوي البعيد يكاد يكون سمة بارزة من سمات المنهج الإسلامي التي يُربَّى المسلم عليها؛ حيث توجد عنده هذه الروح، وينميها في حسه، فتعوِّده على حب النظام والانضباط، والطاعة للأوامر، والتزام حدود كل عمل فلا يتجاوزه، وهي كلها جوانب تندرج تحت صفات الجندية المنشودة.
وكذلك كانت روح كل الشعائر والأعمال الخاصة بركن الحج.
وتدبر كيف أن لهذا الركن العظيم أركانًا أربعة هي: الإحرام، وطواف الإفاضة، والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة؛ فمن ترك ركنًا لم يصح حجه، ولا يتم إلا به.
وتدبر أيضًا أن لهذا الركن واجبات؛ فمن ترك واجبًا فعليه دم لفقراء الحرم.
وهي أيضًا روح كل العبادات والشعائر.
ويمكننا أن نأخذ مثالًا واحدًا وهو الصلاة، وكيف أن لها شروطًا، وفرائض، وسننًا معينة، كلها توقيفية لا يجوز الزيادة عليها. والمقام لا يتسع هنا إلى التفصيل أكثر من هذه الإشارات.
وكذلك كانت روح علاقات المسلم كلها. فسلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، ومع أهله له ضوابط محددة، وهي حقوق في عنقه:"إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه" (6) .
من هنا نخلص إلى أن الانضباط والتزام حدود الله ـ تعالى ـ من صفات المسلم الحق.
وعكس هذا هو عدم النظام والتسيب، والمخالفة، والتعدي.
بل إن تلك القضية لها آثار خطيرة داخل النفوس وكذلك داخل الصف.
ولنتدبر هذه النصيحة العظيمة من الحبيب صلى الله عليه وسلم التي تبرز تلك الرابطة بين النظام في الظاهر، والنظام في الداخل؛ فما هي إلا إشارة حمراء تحذر العاملين، وتبين أن الاختلاف الظاهري ينتج اختلافًا بين القلوب. قال صلى الله عليه وسلم:"لا تختلفوا فتختلف قلوبكم" (7) .
والداعية أوْلى بالالتزام بصفات الجندية، وهو اللبيب الذي بالإشارة يفهم؛ فما بالك إذا كانت تلك الإشارة نبوية واضحة جلية؟
إنذارٌ للنمل!