الصفحة 32 من 34

وكذلك يدل على عالمية الرسالة؛ فهي مشروع لا يعرف حدودًا من جنس أو أرض.

ولكن قبل العودة كان لا بد من مِسك الختام فيِ الطوافِ الأخير طوافِ الوداع.

وتدبر مغزى كلمة وداع وأثرها على النفس.

وتدبر كيف كان الختام وكأنه تأكيد عملي أخير يركز على ضرورة فقه الهدف الواحد

والهم الواحد الذي تطوف حوله جموع السائرين، والذي ستحمله القلوب إلى بلادها، تلك

القلوب التي هوت شوقًا إلى هذا المكان، فأتت من كل فج عميق.

ولكن هذه القلوب لم يمنعها هذا الرباط الروحي ولن يمنعها من أن تعود فتنشر فكرتها،

وتدعو إلى مشروعها الذي تحقق على أرض فأصبح له مرتكز ومركز إشعاع ثابت وقاعدة

صلبة توضع عليها راية التجميع ليؤوبوا إليها كل حين، ثم يعودون للانتشار من جديد.

فحركة التاريخ وناموسية التغيير الحضاري من سماتها التبديل والحركة التي لا تعرف

السكون: بين مد وجزر، أو بين امتداد وانحسار.

وكذلك الأفكار؛ فالحركة تمنع نمو جراثيم التأسُّن الفكري في العقليات.

وأيضًا بالنسبة للأمم والجماعات والمؤسسات؛ فإن الحركة أيضًا تهاجم حشرات التعفن

الحضاري عند الأمم.

وإن الحركة في كل تلك المجالات مثلها مثل حركة الكون التي تجري مكوناتها في ديمومة

حركية، لا تهدأ حتى المستقر النهائي الذي يقرر منتهاه ومستقره العزيز العليم: (( والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ) ) [يس: 38] .

والحركة الحضارية من شأنها التداول: (( وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) )[آل عمران:

وعندما يفقه الدعاة وكل من يشارك في مسيرة الدعوة إلى المشروع الحضاري تلك الإشكالية،

ويدركون مغزى السمة التداولية للحركة الحضارية، ويعون الناموسية التغييرية للتاريخ

فإن ذلك من شأنه أن يمدهم بزاد آخر، زاد ضروري، ألا وهو زاد الأمل.

ذلك الزاد الذي يعطي الدفعة العظيمة للسائرين، ويُضاعف روح البذل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت