الصفحة 5 من 34

والإحرام رمز للانسلاخ من مرحلة إلى أخرى، ويعتبر عهدًا بين المسلم وربه، وتأكيدًا على صدق نية التغيير والالتزام بذلك ظاهريًا بلبس الإحرام، وإعلان ذلك برفع الصوت بالتلبية حتى يعلم الناس جميعًا بهذا الميثاق، وبتوابعه ـ وهي اجتناب محظوراته ـ، بل إن البعد التربوي لهذه التلبية ودلالاتها نستشعرها من تدبر قوله صلى الله عليه وسلم:

"ما من ملبٍّ يلبي إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من شجر وحجر حتى تنقطع الأرض من هنا وهنا ـ يعني عن يمينه وشماله ـ" (11) .

وتدبر ذلك النداء ورفع الصوت بالتلبية وأثره الكوني والباطني، وتواصله مع ذلك النداء الذي رفعه مؤسس هذا المشروع العظيم الخليل ـ عليه السلام ـ عندما أمره الحق ـ سبحانه ـ أن يؤذن في الناس، فيبلغهم ويدعوهم، ووعده بالإجابة: (( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) ) [ الحج: 27] "أي نادِ في الناس بالحج داعيًا إياهم إلى الحج، إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذُكِر أنه قال: يا رب كيف أبلغ صوتي ولا ينفذهم؟"

فقال: نادِ؛ وعلينا البلاغ. فقام على مقامه ـ وقيل: على الحجر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس ـ وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتًا، فحجوه. فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك" (12) ."

وهو رمز لإعلان الهوية، وما يدل عليه من أن هذا المشروع مشروع كوني يهش ويبش له كل الخلائق، ويتجاوب معه الوجود كله، ويباركه رب هذه الخلائق ورب هذا الوجود كله ـ سبحانه ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت