الصفحة 7 من 34

عند هذه المواقيت المكانية، وأثناء المواقيت الزمانية للحج يبدأ المسلم رحلته المباركة، ويحدد نيته فيختار أحد الأنساك الثلاثة: إما التمتع، أو الإفراد، أو القِران.

وكذلك عندما ينهي رحلته يكون على أحد الخيارين: إما التعجل في نهاية اليوم الثاني عشر وقبل غروب شمسه، أو أن يتأخر إلى اليوم الثالث عشر.

وبتدبر هذه الخيارات سواء في بداية الرحلة أو في نهايتها التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكرها أي من الأئمة، وكذلك في اختلاف الفقهاء في أفضلية أي من الأنساك على غيرها، وبتدبر هذه الرحمة الإلهية في قوله ـ سبحانه ـ: (( فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأَخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) ) [البقرة: 203] ، وبالنظرة الشمولية العامة، والغوص في المغزى البعيد للنصوص، وعدم قصرها على موضوع الحج، بل بالتوسع في معناها البعيد، ومن هذا المنطلق المنهجي نجد أن هذه النظرة لهذه الركيزة القائمة على تدبر الخيارات في رحلة الحاج تفتح بابًا عظيمًا في المنهج، وتكشف أضواءًا على قضيةٍ طالما شغلت الكثيرين في مختلف العصور؛ ألا وهي (قضية تعدد الصواب) ، وهي من أهم جوانب إعادة صياغة العقلية المسلمة وركائزها التي ندعو إليها ليزيد رصيدنا من هذه العقليات التي تفقه وتعي (فقه الموازنات) أو فقه

الترجيح، وهو الفقه الذي على أساسه يقوم بنيان (السياسة الشرعية) .

ولا ننسى الفقه الآخر المرتبط بهذا الفقه ويلازمه وقد يتداخل معه؛ ألا وهو (فقه الأولويات) .

فعلى أساس هذين الفقهين يتم الترجيح والموازنة بين الاختيارات على أساس الأصوب والأوْلى.

وفي النهاية نخلص إلى أن ذلك من علامات سعة المنهج ومرونة الشريعة، وكذلك من علامات نضج حاملي هذا المنهج وثقتهم في سمو فكرتهم التي يدعون إليها وعلوها، وهي أيضًا دلالة بارزة على سعة أفق دعاة مشروعه الحضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت