وفي الرسالة القشيرية:"أن التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي توكل القلب بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله، فإن تعسر شيء فبتقديره وإن اتفق شيء فبتيسيره. وعلامة التوكل ثلاث لا يسأل ولا يردّ و لا يحبس"أهـ. فإذا جرينا على ما قاله المحققون في تفسير معنى التوكل فتعاطى الأسباب الظاهرة مع عدم التفات القلب إلى الأسباب بل إلى مسبِّب الأسباب لا ينافي التوكل. ثم إن الإمام الغزالي في الإحياء قسم المتوكلين في ملابسة هذه الأسباب على ثلاثة مقامات. (الأول) مقام الخوّاصّ ونظرائه، وهو الذي يدور في البوادي بغير زادٍ ثقةً بفضل الله تعالى في تقويته على الصبر أسبوعًا أو مل فوقه أو تيسير حشيش له أو قوت إلخ. (المقام الثاني) أن يقعد في بيته أو في مسجد في القرى والأمصار. وهذا أضعف من الأول، ولكنه أيضا متوكل لأنه تارك للكسب والأسباب الظاهرة معوّل على فضل الله تعالى. (المقام الثالث) أن يخرج ويكتسب اكتسابا على الوجه الذي ذكرناه في الباب الثالث والرابع من كتاب آداب الكسب. وهذا الكسب لا يخرجه أيضا عن مقامات التوكل - إلى أن قال - ويستحيل أن يقال لم يكن الصديق رضي الله عنه في مقام التوكل، فمن أولى بهذا منه ؟. فدل على أنه كان متوكلا لا باعتبار ترك الكسب والسعي، بل باعتبار قطع الالتفات إلى قوته وكفايته والعلم بأن الله هو ميسّر الاكتساب ومدبّر الأسباب إلخ. ثم وضع رحمه الله تعالى ترجمة خاصة في بيان توكل المعيل، فقال:"بيان توكل المعيل"فأطال الكلام فيه بما حاصله أن من له عيال فحكمه في التوكل يفارق المنفرد، إذ المنفرد لا يصح توكله إلا بأمرين، أحدهما قدرته على الجوع أسبوعًا من غير استشراف وضيق نفس. وثانيهما أن يطيب نفسا بالموت إن لم يأته رزقه علما بأن رزقه الموت والجوع.