"وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء ، وجعله من أعظم المحرمات ، بل جعله في المرتبة العليا منها فقال تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف: 33 ] فرتب المحرمات أربع مراتب ، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش ، ثم ثنى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم ثم ثلث بما هو أعظم تحريمًا منها وهو الشرك به سبحانه ، ثم ربع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم ، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وفي شرعه" [1] .
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ، ينتزعه من العباد ، وكلن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالمًا ، أتخذ الناس رؤوسًا جهالًا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [2] .
من أجل ذلك كان السلف يخشون من القول على الله بغير علم ، خشية عظيمة .
فعن ابن سيرين قال:
"لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر رضى الله عنه ، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر رضى الله عنه".
وسئل أبو بكر رضى الله عنه عن آية فقال:"أي أرض تقلني وأي سماء تظلني أن قلت في آية من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم".
وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال:"إياكم وأصحاب الرأي ،فإنهم أعداد السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوا فقالوا بالرأي ، فضلوا وأضلوا" [3] .
وعن ابن حصين الأسدي قال:
"إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر"
(1) 3 )"أعلام الموقعين" ( 1 / 38 ) .
(2) 4 ) برقم ( 100 ) كتاب العلم .
(3) 1 ) روى هذا الآثار ابن القيم في"أعلام الموقعين" ( 1/ 54 - 55 )