فإذا نظرنا إلى موضوع الفتن والملاحم واشرط الساعة ، نجد أن المتأخرين قد افترقوا طرفان ووسط ، أما الطرفان فأحدهما وقع في الإفراط كحال صاحبنا المؤلف فهؤلاء أثبتوا كل ما هب ودب من صحيح أو ضعيف بغير رؤية ولا تحري كما سبق بيانه .
والطرف الثاني: قد وقع في التفريط ، وذلك إما بإنكار كل النصوص الواردة في الفتن وأشراط الساعة أو جلها أو تأويلها بشيء من التخريف ، ومن هؤلاء الشيخ محمد عبده مؤسس المدرسة العقلانية في العصر الحديث فإنه أدعى أن أحاديث الفتن هي أحاديث آحاد ولا تقوم الحجة بأحاديث الآحاد في أبواب العقيدة
[1] وكذا تبعه الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر سابقًا [2]
وعبد الوهاب النجار في كتابه"قصص الأنبياء" [3] وذهب أحمد أمين في كتابه"ضحى الإسلام"إلى أنها منقولة كلها من اليهود بواسطة الذين أسلموا منهم قال:"وجعلت هذه الأشياء كلها أحاديث بعضها نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعضها إلى أئمة أهل البيت وبعضها إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه وهكذا وكان لكل ذلك أثر سيء في تضليل عقول الناس وخضوعهم للأوهام .." [4]
وأما الشيخ رشيد رضا تلميذ محمد عبده فقد سلك مسلكا ملتويًا في ذلك فمره يدعي أن المشكلات الواردة في أشراط الساعة كثيرة ، ومرة يدعي أن أنها متعارضة والقاعدة إذا تعارضت تساقطت ، ومرة يميل إلى قول شيخه بأنها أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن ، ومرة يدعي أنها رويت بالمعنى ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها لأنها في أمور غيبية فاختلف التعبير باختلاف الأفهام ، وطعن في حديث الجساسة وهو في صحيح مسلم كما هو معلوم [5] .
(1) 2 ) نقل ذلك تلميذه رشيد رضا في"تفسير المنار" ( 3 / 317 ) .
(2) 3 )"إتحاف الجماعة"للشيخ التويجري ( 2 / 261 ) .
(3) 4 )"قصص الأنبياء" ( ص 424 ) .
(4) 5 )"ضحى الإسلام"لأحمد أمين ( 3 / 243 - 244 ) .
(5) 1 ) راجع"تفسير المنار" ( 9 / 449 - 457 ) .