و لا دلالة في هذا على مطلوبه،فإن أبا هريرة كتم ما كان ليس فيه فائدة و لا يحتاجه المسلم في دينه من أسماء أمراء الجور و نحو ذلك،و يدل عليه قوله"و أما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم".
قال الحافظ ابن حجر:
"و حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء و أحوالهم و زمنهم،و قد كان أبو هريرة يكني عن بعضه و لا يصرح به خوفا على نفسه منهم".
ثم نقل عن ابن المنير قوله:
"و إنما أراد أبو هريرة بقوله"قُطع"أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم و تضليله لسعيهم".
قال الحافظ معقبا:
"و يؤيد ذلك أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها لما ذكره في الحديث الأول [1] من الآية الدالة على ذم من كتم العلم". [2]
و قال الحافظ الذهبي:
"و قد صح أن أبا هريرة كتم حديثا كثيرا مما لا يحتاجه المسلم في دينه و كان يقول:"لو بثثته قُطع هذا الحلقوم"و ليس هذا من باب كتمان العلم في شيء ، فإن العلم الواجب يجب بثه و نشره و يجب على الأمة حفظه". [3]
هذا و قد نص الإمام النووي بأن الكتب الخمسة الأصول للسنة لم يفتها إلا القليل من أحاديث الأحكام فقال رحمه الله في"التقريب":-
(1) يعني حديث أبي هريرة قال:"إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة،و لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتُ حديثا ثم يتلو"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات-إلى قوله-و أنا التواب الرحيم"إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق،و إن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم،و إن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه و سلم بشبع بطنه،و يحضر ما لا يحضرون و يحفظ ما لا يحفظون"رواه البخاري برقم (118) باب حفظ العلم.
(2) فتح الباري (1/261-262) .
(3) سِيَر أعلام النبلاء (10/603-604) .