فهرس الكتاب
إن الظلم لغة مشتق من أصلين صحيحين ومتداخلين، أحدهما خلاف الضياء ومنه الظلمة والظلام، والثاني وضع الشيء في غير موضعه كحال الشرك الذي هو في حقيقته جعل المخلوق في منزلة الخالق ولذلك كان أعظم الظلم (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) - لقمان 13 - ، كما يعني التصرف في ملك الغير تعديا، ولذلك كان الظلم مستحيلا في حق الله تعالى لأن الكون ملكه يتصرف فيه كما يشاء، كما يؤدي معنى التعسف وتجاوز الحدود، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) البقرة229، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه) الطلاق1، ومعنى التغيير بالزيادة أو التبديل أو النقص بغير وجه حق، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُون) البقرة59.وقوله عز وجل: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) الكهف 33.
وقد استعمل لفظ"الظلم"في كلام الشارع لثلاثة أصناف تدور كلها بين الكفر والكبائر هي:
1.ظلم بين المرء وبين الله تعالى وأعظمه الكفر والشرك والنفاق (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) - لقمان13 - ، (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) - البقرة258 - .
2.ظلم بين المرء وبين الناس (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) - الشورى42 - ، (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانا) - الإسراء33 - .
3.ظلم بين المرء وبين نفسه (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) - فاطر32 - ، (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) - التوبة36 - .
والأصل في هذه الأصناف كلها ظلم النفس، إذ كل ظالم في حقيقة الأمر ظالم لنفسه وكل محسن محسن إلى نفسه (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) -فصلت46 - ، (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا) - الإسراء7 - ، لأن عاقبة تصرفات المرء تعود عليه جزاء وفاقا في الآخرة (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) - النساء123 - (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) - النحل118 - .
إن الإنسان يولد على الفطرة سويا، وكما يلتقم ثدي أمه تلقائيا يرضعها حالما يخرج إلى الحياة يهتدي إلى الصواب وتمييز الحق من الباطل، إلا أن عوامل كثيرة تتدخل فتعصف بسلامة الفطرة وصفائها، عوامل من تربية سقيمة أو أهواء جامحة أو مصالح موهومة، فيميل المرء بذلك إلى الظلم والعدوان.
شعوره بالنقص أو الضعة يدفعه للتعالي والتجبر والعدوان والظلم، وحبه الشهوات متعا رخيصة وغرائز مخزية يصرفه عن الحق ويميل به عن الرفق والعدل، وحب الرئاسة وصولا إليها أو