فهرس الكتاب
تمسكا بها يورطه في الجرأة على الدماء والأموال والأعراض، والخوف من السلطان يحمله على متابعته وارتكاب ما يرضيه، والطمع في عطائه يؤدي به إلى الخضوع المطلق والاستخذاء والركون وخذلان الحق وأهله. وأساس كل هذا الشرك ظاهرا وخفيا، وعلاجه التوحيد الخالص، لأنه يحرر صاحبه من قيود المادة والهوى والخوف والرهبة والطمع، ويلزمه العدل في التصرفات والحق في المعاملات، لأن مراقبة الله تعالى والثقة به واليقين بمعيته ولقائه يملأ القلب قوةً على تجنب الظلم وعزمًا على مواجهة أهله، ومناعةً ضد غرائز التسلط والبغي والعدوان والتعلق بالجاه والمال، وقدرةً على المساهمة في إقامة شهادة الحق والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإباءً للانظلام الذي هو تحمل للظلم خنوعا وخضوعا؛ ذلك أن للمؤمن في مواجهة الباطل طريقين لا غير: مواجهته أو الهجرة عنه إن عجز عن المواجهة وخشي الإضرار بدينه، وهو ما يشرحه قوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا) النساء97؛ ولا يستثني رب العزة من هذه المسؤولية إلا العجزة (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) - النساء98 - .
إن تحمل الظلم والرضوخ له يعد حالة أخرى تجعل المظلوم في وضع الظالم بتنازله عن كل ما يراه ضارا به من أمر عقيدته وعبادته، فيزداد الظالمون بهذا الخنوع استكبارا في الأرض واستعبادا للخلق وإفسادا للدين. وتكثيرا للأتباع والأعوان، وتنشأ بذلك طبقة مستغلة فاسدة ظالمة، مما يؤدي إلى التقاتل والتصارع والفتنة. لذلك كان لمتحملي الظلم نصيبٌ من المسؤولية ومحاسبةٌ بين يدي الله تعالى، ولن ينجيهم جوابهم بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض إلا أن تشملهم من الله رحمة (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) النساء 97.
إن الانظلام - وهو حال المظلومين القادرين على المواجهة ودفع الظلم عنهم أو الهجرة _ يكون في الدين والنفس والمال والكرامة والعرض والرأي، وكل ذلك مذموم يأباه اللبيب الكريم ممارسةً فيه أو ممارسةً في غيره، لأنه غبن وهوان ومذلة، والمؤمن ينبغي أن تتوفر فيه قوة الانتصار للحق غير ذليل ولا مهين ولا عاجز (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) الشورى 39، ولأن العلاقة الطبيعية عقلا وشرعا بين الناس ينبغي ألا تخرج عن دائرتي العدل أو الفضل.
العدل هو إعطاء الحقوق محاسبة على التمام والسواء (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) النساء58، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) الشورى.