فهرس الكتاب
ونظرا للسياق الذي وردت فيه هذه الآية من لوم للمشركين على امتناعهم من أكل ما ذكر اسم الله عليه قبلها (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) الأنعام 119، ونهيهم عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بعدها (وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام 121، ولما جرت به عادة العرب من تسمية الخمر إثما، فقد ذهب المفسرون في شرح الإثم مذاهب شتى، وخصصوا معناه تخصيصات لا دليل عليها:
ذهب بعضهم إلى أن الإثم الظاهر والباطن خاص بأكل الميتة والذبائح وشرب الخمر والنبيذ، وآخرون إلى أن ظاهر الإثم هو الزنا المعلن بذوات الرايات (المحترفات) ، وباطنه هو الزنا الخفي واتخاذ الأخدان، كما فسر بشرب الخمر علانية وتسترا.
وعند بعضهم الظاهر منه هو الطواف بالبيت عراة والباطن هو الاستسرار بالزنا، وعند آخرين الظاهر منه ما ورد في الآية 23 من سورة النساء (حرمت عليكم أمهاتكم ... ) والباطن هو الزنا، أو أعمال الجوارح الظاهرة والنوايا وأعمال القلوب المستترة.
لكن الصواب هو أن تخصيص الآية بصورة معينة من غير دليل لا يجوز، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون التحريم عاما في جميع الآثام والفواحش، ولذلك عقب تعالى على هذا الأمر بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) الأنعام 120، أي أن مرتكب الإثم ظاهرا أو خفيا سيجازي بالعذاب الدائم يوم القيامة إن كان مستحلا له، فإن لم يكن مستحلا له ولم يتب ولم يعف الله عنه عذب على قدر ذنبه؛ وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإثم فقال: (الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس) صحيح مسلم والمستدرك على الصحيحين؛ ولا يحيك في صدر المؤمن ويخشى الفضيحة فيه إلا ما خالف الشريعة وعارض الفطرة السوية وأخل بالمروءة.
إن الإثم العام غير المخصص الذي تحرمه هذه الآية الكريمة، منه ما هو متعلق بالمعتقد، ومنه ما هو متعلق بالنية والقصد والإرادة، أو بأمراض القلوب وخطرات النفس، أو بأعمال الجوارح الظاهرة والمستترة.
1 -إثم المعتقد:
أشد الآثام وأخطرها الشرك بالله تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) الكهف 110، وهو إنكار ألوهيته عز وجل أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته، أو إشراك غيره معه فيها، سواء كان ذلك في المعتقد أو في العبادة؛ إلا أن أخف