فهرس الكتاب
ظاهر الإثم وباطنه
قال الله تعالى:(وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُ
ونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)الأنعام 120
هذه الآية الكريمة تحوي أمرا بتجنب الإثم، ووعدا ووعيدا لمن لم يمتثل، بالجزاء والعذاب في الآخرة.
والأمر فيها للوجوب موجه لسائر المكلفين إنسا وجنا، وهو لصرامته شديد الإيجاز، محرم لكل ما يستقبح، وحاض بمفهوم المخالفة على جميع مكارم الأخلاق، ومؤلف من أربعة ألفاظ لا يحتاج إلى الشرح اللغوي منها إلا لفظا"ذروا"و"إثم".
ففعل الأمر"ذروا"بمعنى دعوا واتركوا، من: وذر يذر، وقد أماتت العرب منه صيغ الماضي والمصدر واسم الفاعل، فلا يقال: وذر وذرا فهو واذر، وإنما يقال ترك تركا فهو تارك، وإنما تستعمل العرب منه صيغتي المضارع والأمر، قال تعالى:
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة278.
- (مَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) الأعراف 186.
- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) الجمعة 9.
- (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) المزمل 11، أي: كلهم إلي ولا تشغل قلبك بهم.
أما لفظ"إثم"فحروفه الثلاثة الهمزة والثاء والميم تدل على أصل واحد هو البطء والتأخر، والإثم مشتق منه، لأن الآثم بطيء عن الخير متأخر عليه.
يقال: أثم الرجل إثما ومأثما فهو آثم وأثيم وأثوم، إذا أذنب، أما قوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) الفرقان 68، فمعنى"الأثام"هنا: جزاء الإثم.
والتأثم هو التحرج من الذنب والكف عنه والتوبة منه.
والإثم لغة هو الذنب، ومن فسره بالعدوان جانبه الصواب، لأن العدوان من الإثم، والإثم أعم منه، والعرب تسمي الخمر إثما، وبه فسر قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ) الأعراف 33.