الصفحة 39 من 123

كما ضرب لنا مثلا باهتداء خليله إبراهيم عليه السلام، فقال في سورة الأنعام:

(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ(75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) .

وعلى هذا فاليقين الإيماني ميسر لكل ذي عقل سليم، وقد زودنا الله تعالى بهذا العقل، ولم يجعلنا عالة على غيرنا؛ ولذلك اشترط صفاء الإيمان ويقينيته، وحرم أن نعطل طاقتنا الفكرية التي نفهم بها الكتاب والسنة، ونتأمل بها ملكوت الرحمن، أو أن نتكل في ذلك على تقليد الغير مهما كانت مراتبهم العلمية.

إن تقليد الغير في مجال العقيدة يعد من أخطر ما يعصف باليقين، ولئن التقى المرء مرة بعالم صادق فقلده، فإنه يلتقي عشرات المرات بعلماء منحرفي العقيدة، ولا يمتنع أن يتأثر بهم فيختل إيمانه. ولذلك حرم التقليد سدا لذريعة الانحراف في أهم ركائز الإيمان.

إن المرء إذا قلد في مسألة الإيمان فكأنما طوق عنقه بحبل غيره وربط مصيره بمصيره، وفي هذا من المخاطر في الدنيا والآخرة ما لا يخفى على بصير. وهذا المعني يشير إليه الأصل اللغوي لكلمة"التقليد"المشتقة من لفظ"قَلَدَ"، وقَلَدَ الشيءَ على الشيء: لواه، وقلد الحبلَ فتله، وقلد الماءَ في الحوض أو اللبن في السقاء أو الشراب في البطن أي جمعه، والمِقْلَدُ هو الحبل المفتول، والقِلادة ما جعل في العنق يكون للكلب والفرس والإنسان، ومن الأمثال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

وعلى هذا فالتقليد في العقيدة معناه أن تربط عنقك بحبل غيرك، أي أن تربط مصيرك في الدنيا والآخرة برأي غيرك. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا) سنن الترمذي ح 2007. وقد كان عبد الله بن مسعود يقول:"كنا في الجاهلية نعد الإمعة هو متبع الناس إلى طعام من غير أن يدعى، وإن الإمعة فيكم اليوم المحقب الناس دينه"أي المقلد الذي جعل دينه تابعا لدين غيره من غير روية ولا تحصيل برهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت