فهرس الكتاب
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا")
لقد بين الله عز وجل في هذه الآيات الكريمة صفات عباد الرحمن، فنزههم ابتداء عن العنف والتكبر وغفلة الليل والإسراف والتقتير، ثم أضاف صفة أخرى هي ضرورة تطهرهم مما هو أعظم، مثل الشرك والقتل والزنى. في إشارة واضحة إلى أن الصفات الأولى لا ترفع صاحبها إلى درجة عباد الرحمن، إلا إذا توجت بالتوحيد الخالص (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) الفرقان 68، وباجتناب القتل والزنى وما في حكمهما (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) الفرقان 68. لأن الكافر قد تتوفر فيه الصفات الأولى ويقعد به شركه عن الارتفاع، والمؤمن قد تتوفر فيه أكثر هذه الصفات بما فيها الإيمان، ولكنه إن لم يجتنب القتل والزنى لم يكن ضمن هذه النخبة من عباد الرحمن.
وحثا منه عز وجل للعباد على الالتحاق بهذه المرتبة الرفيعة، واستصلاحا لهم، هداية ورحمة وترغيبا وترهيبا، عقب على تقريره صفات عباد الرحمن بوعيد صارم للعصاة، ووعد حق للطائعين التوابين.
أما وعيده فقوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاما) ، فقوله (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) إشارة إلى مجموع تلك الآثام (دعوة غير الله تعالى، قتل النفس، فاحشة الزنى) .
ولفظ"أَثام"مثل: نَكال وَوَبال َوزْنًا ومعنى، أي جزاء ارتكاب الذنب وعقوبته. وما بعد لفظ"أثام"، شرح وتفصيل لهذا الجزاء، وهو (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانا) الفرقان 69، وتضعيف العقوبة مع الخلود في النار حقيرا ذليلا مرتب على مجموع تلك المعاصي لا على كل واحدة منها، مضاعفة العقوبة وتكرارها بسبب تضاعف أسبابها، والخلود