فهرس الكتاب
وعن عبادة بن الصامت قال:"قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أيكم يبايعني على ثلاث؟ ثم تلا - صلى الله عليه وسلم: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... ) حتى فرغ من الآيات، ثم قال: فمن وفى فأجره على الله ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".
في هذه الآيات أُمِرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يدعو جميع الخلق جنا وإنسا إلى سماع ما حرم الله، بشريعة الإسلام المبعوث بها إليهم حقا ويقينا ووحيا، وقد ُصِّنَفتْ فيها المحرمات إلى ثلاث درجات حسب مستوى التفكير العقلي للمخاطبين. خمس منها لا يقع فيها مجرد العاقل الذي يميز النافع من الضار بداهة، وأربع منها لا يقع فيها من يتذكر ويتفكر ويشعر بالمسؤولية أمام ربه وإزاء نفسه والخلق أجمعين، وعاشرة يتصف بها من عزم على ركوب جادة الصواب كاملة وبذل الجهد لبلوغ مرتبة التقوى؛ ولذلك ختمت الفئة الأولى بقوله تعالى"ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون"، والفئة الثانية بقوله عز وجل:"ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون"والعاشرة بقوله تعالى"ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون".
بدأت الآيات بقوله تعالى:"قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..."و فيها دعوة للناس أن يتقدموا و يقبلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستمعوا بيان ما جعله الله تعالى محرما وليعرفوا من خلال ذلك ما جعله الله واجبا، فبدأ سبحانه بالخمس الأوليات العقلية، ثم بالأربع التذكرية، ثم بعاشرة التقوى.
الفئة الأولى: الوصايا العقلية
1 -الشرك بالله (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) الأنعام 150
وكما أن سورة البقرة تكاد تكون مختصة بجدال اليهود وكشف مثالبهم وانحرافهم، وسورة المائدة عنيت بجدال أهل الكتاب و النصارى منهم خاصة، فإن سورة الأنعام قد شرحت تمهيدا منها للوصايا العشر، حال المشركين، وبينت أنواع شركهم وفساد عقيدتهم على أحسن وجه:
-الشرك باتخاذ الأوثان (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) الأنعام /74.