الصفحة 86 من 123

كما أن خلق الصدق هو صفة الأخيار من عباد الله الصالحين القائمين بالطاعة الملتزمين بالصراط المستقيم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} الحجرات (15) .

ولذلك كان الأمر بالصدق التام الناجز المطابق للضمير ولحقائق الأشياء المخبر عنها ماضيا وحاضرا واستقبالا، وكان معنى قوله تعالى: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) اصدقوا والزموا الصدق وكونوا مع أهله تنجوا من التهلكة وتجعلوا بينكم وبين غضب الله تعالى وعقابه وقاية.

لقد كانت المخالفة في تبوك كبيرة، والذنب عظيما، ولكن الأنصاريين الثلاثة صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترفوا بجريرتهم، ولم يلجؤوا للمراوغة بالأعذار الواهية، ومع ذلك ووجهوا بحزم وشدة دون سائر المخالفين، لأن الذنب يعظم بعظم مرتكبه والعقوبة كذلك بحسب رتبة المذنب، ألم يخاطب الله تعالى أمهات المؤمنين بقوله: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) الأحزاب 30 (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) الأحزاب 32؟؛ كذلك الثلاثة المخلفون كانت مكانتهم بين الأنصار والمهاجرين عالية، وسابقتهم في الإسلام والجهاد والبذل مكينة، لذلك أخضعهم الله تعالى لاختبار شديد، ووضعهم في بوتقة أشرف المعادن، تذيب مادتهم وتجلو حقيقتهم وتكشف مكنون إيمانهم، وتبتلي بهم في نفس الوقت مجتمع المسلمين، تربية وتثبيتا وتأسيا وتدريبا لهم على التجرد لدينهم، فصمد الثلاثة للاختبار بمقاطعة الناس لهم واعتزال نسائهم خمسين يوما، وامتثل المجتمع الإسلامي للأمر النبوي بمقاطعتهم، فلم تثر فيه عصبية قبلية أو عرقية أو عائلية أو زوجية؛ وإنما شع إيمان الجميع، وأشرقت الوجوه بعبادة الامتثال والانصياع، حتى إذا تجلى للكون نموذج الأمة الجديدة الخاتمة لأمم الإيمان والإحسان، تجلى ربك عز وجل عليهم بالتوبة واللطف والرحمة والمغفرة، ونزل ذلك قرآنا يتلى أبد الدهر في ملأ الأرض وملأ السماء (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة117 - 118.

لقد اجتمعت في هذه الحادثة كل ظروف التشديد: علو مرتبة المخالفين، وعظم الذنب، وحزم الرسول صلى الله عليه وسلم في المعالجة، وكون غزوة تبوك مفصلا هاما في مسيرة الإسلام لأنها آخر الغزوات، تتم بها التربية الجهادية ويطهر بها الصف الجهادي، وأن ظروفها القتالية من الشدة والعنت سماها القرآن الكريم"ساعة العسرة"، لما نال المسلمين فيها من عسرة المسافة وعسرة الحر وعسرة السير والقتال وقلة الزاد والظهر (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت