فهرس الكتاب
مهر المرأة صداقا لقوة وجوبه ولزومه، ومصداق الشيء ما يصدقه، ومنه"إن لكل قول مصداقا ولكل حق حقيقة"، والصداقة قوة المودة والتعاون والنصيحة في الرفقة والمعاشرة، والصدق ضد الكذب، سمي صدقا لقوته في نفسه ولأن الكذب لا قوة فيه فهو باطل.
والصدق في القول هو مطابقة الكلام لضمير القائل وللشيء المخبر عنه معا. فإن انخرم أحد الشرطين بأن لم يطابق ضمير المتكلم أو لم يطابق حقيقة المخبر عنه لم يكن صدقا تاما، من ذلك قول المنافقين فيما حكاه القرآن عنهم: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) المنافقون 1، فقد أكذبهم الله تعالى بقوله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) المنافقون 1؛ كما أن للصدق والكذب معنى خفيا ينبغي أن ينتبه له الصادقون في تعاملهم مع بعضهم، وذلك حين تكون الحاجة للنصح أو البيان، فيكون الكلام صدقا إن تضمن نصحا أو بيانا أو توضيحا، ويكون السكوت وإخفاء ما يفيد الدعوة أو يضرها كذبا وغشا وخداعا وتمويها وخيانة.
لقد أعلى الله تعالى من شأن الصدق فوصف به نفسه عز وجل في آيات قرآنية كثيرة: {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} آل عمران (95) ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلًا} النساء (122) ، {اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا} النساء (87) .
كما وصف به رسله عليهم الصلاة والسلام في قوله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} يس (52) ، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} الأحزاب (22)
بل لقد كان الصدق الوعاء الأول الذي استوعب الرسالة؛ فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المشهود له بأنه على خلق عظيم، عُرف منذ نشأته الأولى بخلق الصدق حتى لقبه قومه بـ"الصادق الأمين"، وشهد له أعداؤه بالصدق والأمانة، فلم يجرؤوا على اتهامه بالكذب. ... وقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم مستمسكا بخلق الصدق في كل أحواله؛ في جده وفي مزحه؛ لأنه كان قرآنا يمشي على الأرض، فالله تعالى: {أعلم حيث يجعل رسالته} الأحزاب 124