الصفحة 84 من 123

وبعد عودة الرسول عليه السلام وسؤاله إياهم جادل كل متخلف عن نفسه بعذر، فقبل منهم صلى الله عليه وسلم أعذارهم واستغفر لهم الله ووكل نواياهم إليه سبحانه، إلا هؤلاء الثلاثة فقد صدقوه الجواب وبينوا له أنهم لا عذر لهم، فأرجأ عليه السلام قبول توبتهم، وأمرهم بملازمة بيوتهم واعتزال نسائهم، وأمر المسلمين بمقاطعتهم؛ فتجلى بذلك إيمان الثلاثة وامتثالهم، وإيمان المجتمع الإسلامي وانضباطه في أنصع الصور إشراقا ونورانية. ودام هذا الاختبار النبوي خمسين ليلة توجت بنزول توبتهم قرآنا يتلى أبد الدهر (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) التوبة 118، ثم خوطبوا توجيها وهداية إلى سبيل الرشاد والفلاح بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة 119.

وظاهر الآية أن الأمر بالتقوى والكون مع الصادقين للمسلمين كافة على الإطلاق والعموم وجوبا، وليس خاصا بالثلاثة الذين خلفوا؛ كما أن فيها ما يفيد الزجر عن فعل ما ارتكب من تخلف عن الجهاد بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) في عدم الامتثال والطاعة للأمر النبوي، وما يفيد المقصود من التقوى وهو وجوب الكون مع الرسول وأصحابه واجتناب الكون مع المنافقين الذين مكثوا في بيوتهم ولم يخرجوا للجهاد بقوله: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) .

ولفظ"التقوى"مشتق من جذره"وقى"الذي يدل على دفع شيء عن شيء بغيره، و"الوقاية"من وقى الشيء يقيه وقاية ووقيا أي صانه وحماه وحفظه، ومنه قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) الرعد34 أي من دافع، وقوله (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) البقرة34، وقوله: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَة) المدثر 56 أي أهل أن يتقى غضبه وعقابه وعذابه.

وفي الحديث الذي أخرجه البخاري: (اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) ، أي احذروا النار واجعلوا بينكم وبينها صدقة ولو بشق تمرة. وما أخرجه مسلم (إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ) أي يدفع به العدو ويتقى بقوته، ومنه قول الإمام علي رضي الله عنه: (كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَاسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْهُ) ابن حنبل، أي جعلناه وقاية لنا وقمنا خلفه واستقبلنا به العدو.

أما لفظ"الصدق"فحروفه الصاد والدال والقاف أصل يدل على قوة في الشيء قولا أو عملا، والصَّدْق - بفتح الصاد وسكون الدال - من الرماح والسيوف الصُلب المستوي؛ ومن الرجال الجامع للأوصاف المحمودة، والمَصْدَق"الشجاع صادق الحملة صادق السعي والوعد، وسمي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت