فهرس الكتاب
مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ) الزمر60، وقد روي أن النبي عليه السلام رد شهادة رجل في كذبة كذبها، قال معمر: (لا أدري أكذب على الله أو كذب على رسوله أو كذب على أحد من الناس) - من رواية معمر عن موسى بن أبي شيبة مرسلا، السنن الكبرى للبيهقي ومسند ابن راهويه -، وقال الإمام مالك رضي الله عنه: (لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) وسئل شريك بن عبد الله فقيل له: (يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدا أأصلي خلفه؟) قال: (لا) ،.
إن الكاذب لا تقبل شهادته ولا خبره لأن قبول الشهادة تزكية عظيمة لا تكون إلا لمن كملت فضائله وطابت خصاله، ولا خصلة أدنى وأحقر من خصلة الكذب. يؤيد ذلك ويشرحه ما روي من أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني رجل أريد أن أؤمن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحدة منها آمنت بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اترك الكذب) ، فقبل ذلك ثم أسلم، فلما خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت نقضت العهد، وإن صدقت أقام علي الحد، فتركها؛ ثم عرضوا عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة، فعاد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي على، وتاب عن الكل- التفسير الكبير للرازي16/ 221 - .
ويكفي الصدق فضلا وشرف منزلة وعلو درجة أن الإيمان منه، أي أن الإيمان الحق لا يصدر إلا عن صدق النية وصدق القول والعمل، وأن الكفر من الكذب، كذب النية والقول والعمل، ولذلك نفى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون المؤمن كذابا في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ (قيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا فَقَالَ لَا) ، وقال أيضا (إِنَّ شَرَّ الرَّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ وَلَا يَصْلُحُ مِنْ الْكَذِبِ جِدٌّ وَلَا هَزْلٌ ... ) الدارمي.
إن الصدق المأمور به ليس صدق القول فقط، ولكنه أيضا صدق الإيمان وإخلاصه وصدق القول وصوابه وصدق الدين وصلابته، ألا ترى أن العرب تقول: رجل صدق، أي قوي العقيدة نية وقولا وعملا وعزيمة وقصدا، في جميع حالاته، حالات الرضا والغضب والمحبة والسخط والجد والهزل، حالات مدارات السفهاء، والانتصار للحق في حوار العقلاء، أو للنفس عند رد عدوان الجهلاء.