الصفحة 89 من 123

وإذا كان الأمر بالكون مع الصادقين للوجوب، ثارت إشكالية أخرى هي أنه لابد من وجود جماعة الصدق في كل عصر، وإلا كان الأمر في غير محله!، فكيف الاهتداء إليها لمرافقة أهلها والانصهار في صفهم؟

يجيب القرآن الكريم على هذا التساؤل بقوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران104، ويشرح الرسول الكريم ذلك بقوله: (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَاتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُون) البخاري، وهذا يجعل الأمة الإسلامية معصومة عن الخطأ، ويجعل إجماعها حجة تشريعية في مجال استنباط الأحكام، والإجماع على الباطل متعذرا؛ كما ورد في الحديث الذي أخرجه الترمذي (عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي أَوْ قَالَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ) ، وكلما حاول أهل الباطل تزييف الشريعة الإسلامية بادعاء الإجماع على الباطل، تصدت لهم طائفة الصدق والرشد والهدى التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، تصدع بالحق وتخرم إجماع الباطل وتسفهه.

إن الأمر بملازمة الصادقين يقتضي في الإطار الدعوي ضرورة اختيار الذين توفرت فيهم هذه الصفات، وإبعاد الكذبة والمنافقين وتجار السياسة والمناورات الحزبية والمتشيطنة الذين يرفعون شعار الدعوة ويسخرونها لأغراضهم وأهوائهم ويبررون سقوطهم في الكذب والنفاق وتمرير المواقف السياسية الضالة بدعوى الضرورة والمصلحة القائمة على غير أساس، كي يكون البناء على أرض صلبة.

وتبقى في الأمر إشارة أخرى واضحة مكملة لمفهوم خلق الصدق، وردت في ما تلا هذه الآية، هي قوله تعالى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) التوبة120، وتعني وجوب فداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفس والمال والأهل والولد، وعدم البخل بذلك دفاعا عنه، لاسيما عند تعرض النبوة الخاتمة للخطر، إذ النكوص عن الفداء في هذه الحالة نفاق خالص وخذلان للإسلام وأهله لا شك فيه. لكن بعد التحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كيف يبقى هذا الواجب قائما؟،

إنه إذا غاب صاحب الرسالة فالرسالة باقية مستمرة لم تغب، وكتاب الله والسنة النبوية بين أظهرنا، وفداء صاحب الرسالة يكون بمحبة الكتاب والسنة، والعمل بهما ونشرهما والدفاع عنهما، وهذا هو الصدق المبرأ من كل عيب، الخالص عن كل شين، السليم من كل خلل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت