فهرس الكتاب
إن للحياء رافدين من عقل وإيمان:
فمن ملامح نضج العقل لدى المرء معرفتُه ربَّه وتمييزُه المصالحَ من المفاسد وحياؤه مما يشينه عقيدةً وسلوكا.
ومن معالم الإيمان فيه شعورُه بالمَعِيَّة الإلهية، واستعدادُه ليوم اللقاء والعرض، واستحياؤه الدائم من ربه، وتعففُه عما يستقبح ويستقذر. قال صلى الله عليه وسلم: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) البخاري (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) مسلم
والحياء برافديه من العقل والإيمان صفة ضرورية للمجتمع يوحد أعضاءه ويشيع فيهم المودة والاحترام والتصافي والصدق والتعاون، ويسهم في تأسيس حالة إنسانية من السلم والنظافة السلوكية، فتنشأ بذلك الأمة الإسلامية (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيما) الفتح 29، لذلك قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان والحياء فقال: (الحياء والإيمان في قرن فإذا سلب أحدهما اتبعه الآخر) - المعجم الأوسط-، وقال: (الْحَيَاءُ لَا يَاتِي إِلَّا بِخَيْرٍ) - البخاري -، ذلك أن الحياء مبعث العفة عن الخطايا، وتركُ الخطايا شطرُ الإيمان الذي هو في صميمه فعل للخيرات وترك للموبقات. فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخا مستفادا في الله عز وجل، وعلما مستطرفا، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياءً أو خشيةً ونعمةً أو رحمةً منتظرة) - المعجم الكبير-، وقال الإمام على رضي الله عنه: (الحياء يصد عن الفعل القبيح - الحياء سبب إلى كل جميل) ، وقال ابن الأثير:"إنما جعل الحياء بعض الإيمان لأن الإيمان ينقسم إلى ائتمار بما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه، فإذا حصل الانتهاء بالحياء كان بعض الإيمان".
فإذا انسلخ المرء عن الحياء تجرأ على الخلق والخالق، وتجارت به الأهواء، وارتكب كل معصية، ولم يبق لأقواله وأفعاله وأحاسيسه وهواجسه ضوابط، قال صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) - البخاري، مسند الطيالسي، الأدب المفرد-، وفي هذا الحديث توبيخ على الوقاحة والبذاءة وتهديد بسوء العاقبة.
إن الحياء هبة ربانية لمن أراد الله به خيرا، وعنوان من عناوين الفضيلة والعفة، يحفظ به المرء ماء وجهه ويكف به نفسه عن ركوب الشهوات الدنيئة، وخلق إسلامي أصيل لا ينفصم عن الإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء خلقا وإن خلق الإسلام الحياء) - المعجم