الصفحة 91 من 123

إن لفظ"الحياء"مشتق من جذره اللغوي"حَيَِي يحيَى"على وزن رضِي يرضى، والحاء والياء وحرف العلة أصلان:

الأول خلاف الموت، ومنه: الحياة والحيوان ضد الموت والموتان. قال تعالى (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) - العنكبوت64 - ، أي هي دار الحياة الحقيقية الدائمة.

أما الأصل الثاني فمنه:"الحياء، وهو الاستحياء ضد الوقاحة والبذاء، وهو انقباض عن القبائح وتغير وانكسار يعتري النفس خوف ما تعاب عليه وتذم، ومن ذلك الحديث المروي عن أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البذاء من الجفاء والجفاء في النار، والحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة"- صحيح ابن حبان -."

لقد جعل الله تعالى الحياء في فطرة الإنسان يستعين بها على تجنب القبائح ظاهرةً وباطنةً، فتردعه عما تنزع إليه شهواته السائبة، وترشده إلى الحق من الأقوال والأعمال، ولئن نُزع الحياء من البعض فما ذلك إلا لشقاوة طارئة بتأثير التربية أو الرفقة السيئة أو الشهوات الخفية أو الابتعاد عن الله عز وجل.

إن خلق الحياء مركب من صفتين متناقضتين في ظاهرهما ومتكاملتين في جوهرهما، وهما الجبن والشجاعة، جبن وعفة واستعلاء عن السوء والدَّنِيَّة والضَّعَة، وشجاعة وقوة في الحق، لذلك قلما يكون الحَيِيُّ فاسقا والفاسق حَيِيًّا، لتنافي اجتماع العفة التي هي جبن عن ارتكاب الفواحش مع الفسق الذي هو منتهى الجراءة على الله والناس. ولقد أجاد الشاعر الفرزدق رحمه الله تعالى في تشخيص اجتماع الحياء مع الشجاعة عند مدحه الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه، بقوله:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأتَه ... والبيت يعرفه والحِلُّ والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم

إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يُغْضِي حياء ويُغْضَى من مهابته ... فما يُكلَّم إلا حين يبتسم

إن أول ما يظهر من سمات العقل لدى الناشئ حياؤه، دليلا على بلوغه مرحلة التمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبيح، كما أن أعلى ما يبرز فيه من صفات العقل إيمانُه؛ والحياء بذلك باكورة ثمار العقل، والإيمان يانعُ ثمارِه وتمامُها وكمالُها. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحياء من الإيمان) البخاري - الترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت