وكانت الحروب تقوم بينهم لأسباب تافهة بسيطة فهم لايبالون بشن الحروب وإزهاق الأرواح في سبيل الدفاع عن المُثل الاجتماعية التي تعارفوا عليها وإن كانت لاتستحق التقدير , وقد روى لنا التاريخ سلسلة من أيام العرب في الجاهلية مما يدل على تمكن الروح الحربية من نفوس العرب وغلبتها على التعقل والتفكير , فمن تلك الأيام مثلا يوم البَسُوس وقد قامت الحروب فيه بين بكر وتغلب بسبب ناقة للجَرْمي وهو جار للبسوس بنت منقذ خالة جساس بن مرة وقد كان كليب سيد تغلب قد حمى لإبله مكانا خاصا به فرأى فيه هذه الناقة فرماها فجزع الجرمي وجزعت البسوس فلما رأى ذلك جساس تحين الفرصة لقتل كليب فقتله فقامت الحروب الطاحنة بين القبيلتين لمدة أربعين سنة (1) .
وكذلك يوم داحس والغبراء فما كان سببه إلا سباقا أقيم بين داحس وهو فرس لقيس بن زهير والغبراء وهي لحذيفة بن بدر , فأوعز هذا إلى رجل ليقف في الوادي فإن رأى داحسا قد سبق يرده , وقد فعل ذلك فلطم الفرس حتى أوقعها في الماء فسبقت الغبراء , وحصل بعد ذلك القتل والأخذ بالثأر وقامت الحروب بين قبيلتي عبس وذبيان (2) .
وكذلك الحروب التي قامت بين الأوس والخزرج في الجاهلية وهم أبناء عم حيث إن الأوس والخزرج أبناء حارثة بن ثعلبة الأزدي , وكانت بدايتها حرب"سمير"وسببها أن رجلا غطفانيا كان معه فرس فقال: ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب , فسمى الأوس رجالا وسمى الخزرج رجالا , فدفعها إلى مالك بن العجلان الخرزجي , فافتخر بذلك حليفه كعب بن العجلان الذبياني , وقال: ألم أقل لكم إن حليفي مالكا أفضلكم ؟ فغضب من ذلك رجل من الأوس يقال له"سمير"فترصد لكعب فقتله , فقامت الحرب بين الحيين , وكان الظفر فيها للأوس .
(1) ... الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/312 .
(2) ... الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/343 .