ثم استمرت الحروب بينهما بعد ذلك مائة سنة , حتى كانت حرب"حاطب"وهي من أشهر أيامهم , وسببها أن رجلا من بني ثعلبة نزل على حاطب بن قيس الأوسي فرآه يزيد بن الحارث الخزرجي في السوق فقال لرجل يهودي: لك ردائي إن كسعت هذا الثعلبي - يعني يضربه بقدمه من الخلف وهذه إهانة - فأخذ اليهودي الرداء وكسع الثعلبي , فنادى الثعلبي: يالحاطب كُسع ضيفك وفضح , وأخبر حاطب بذلك , فجاءه فسأله: من كسعك ؟ فأشار إلى اليهودي , فقتله حاطب , فجاء يزيد بن الحارث الخزرجي فأسرع ليقتل حاطبا ففاته وقتل رجلا آخر من قومه, فثارت الحرب بين الأوس والخزرج , وكان الظفر فيها للخزرج , وتبع ذلك حروب أخرى .
ثم كان آخر أيامهم يوم"بعاث"وذلك أن حلفاء الأوس من اليهود جددوا عهودهم معهم على النصرة - وهكذا كان كثير من حروب الأوس والخزرج يذكيها اليهود حتى يضعفوا القبيلتين فتكون لهم السيادة الدائمة - واستعان كل فريق بحلفائه من القبائل المجاورة والتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا كانت نهايته لصالح الأوس (1) .
وهكذا قامت الحروب بين أبناء العم وكان المستفيد الأول منها يهود المدينة , ولم تنقطع هذه الحروب إلا بعد أن هداهم الله إلى الإسلام الذي ألف الله تعالى به بين قلوبهم فأصبحوا الرافد الثاني لنصر الإسلام بعد المهاجرين , وسماهم النبي ( الأنصار , وكانت لهم بعد ذلك المواقف العظيمة في نصرة الإسلام .
وإنما أفضْتُ بعض الشيء في تلخيص أخبار حروبهم ليقارن من له عقل سليم بين ماضيهم في الجاهلية وحاضرهم في الإسلام , وبقدر ماكانوا عظماء بعد إسلامهم نفهم عظمة هذا الدين الحنيف , لأن معتنقيه بحق مرآة له تكشف عن جوانب عظمته .
ومن هذا العرض السريع لحياة العرب بالنسبة للاخاء تبين لنا انعدام الأخوة بين العرب أنفسهم فضلا عن وجودها بينهم وبين الأمم الأخرى.
(1) ... الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/402 .