يتبين ذلك جليا في المحاورة العالية التي جرت بين وفود المسلمين إلى رستم قائد الفرس وكان من أوائل من حاوروه زهرة بن عبد الله بن الحَوِيَّه أمير المقدمة وقد قال له رستم: كنتم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونحفظكم - وأخبره عن صنيعهم مع العرب - فقال له زهرة: ليس أمرنا أمر أولئك ولاطلبتنا طلبتهم إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة وقد كنا كما ذكرت إلى أن بعث الله فينا رسولا فدعانا إلى ربه فأجبناه , فقال لرسوله: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يَدِنْ بديني فأنا منتقم بهم منهم , وأجعلُ لهم الغلبة ماداموا مقرين به , وهو دين الحق لايرغب عنه أحد إلا ذل ولايعتصم به أحد إلا عزَّ , فقال له رستم: ماهو ؟ قال: أما عموده الذي لايصلح إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله والإقرار بما جاء به من عند الله قال: ما أحسن هذا وأي شيء أيضًا ؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله , قال: حسن وأي شيء أيضا ؟ قال: والناس بنوا آدم وحواء أخوة لأب وأم قال: ما أحسن هذا , ثم قال رستم: أرأيت إن أجبت إلى هذا ومعي قومي كيف يكون أمركم أترجعون ؟ قال: أي والله ثم لانقرب بلادكم أبدا إلا في تجارة أو حاجة قال: صدقتني والله , أما إن أهل فارس منذ ولى أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السفلة - يعني العامة - وكانوا يقولون: إذا خرجوا من أعمالهم تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم , فقال له زهرة: نحن خير الناس للناس فلا نستطيع أن نكون كما تقولون بل نطيع الله في السفلة ولايضرنا من عصى الله فينا .
وبنحو ذلك أجاب ربعي بن عامر حينما حاوره رستم بكلام بليغ بعد سلوك رفيع أظهر فيه عزة الإسلام والمسلمين وكان مما قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله , ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .