فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 41

فعل المتكلم"فإن"من عقل كونه متكلمًا عقل الكلام ولم يحتج إلى حدّه" (ص39) . أو قولهم: إنه"ما أوجب كون المتكلم متكلمًا"، أو قولهم:"ما يقوم بذات المتكلم"؛ فإن"هذا كلّه فرع على عقل المتكلم وتحقّقه، وذلك لا يتمّ إلاَ بعد المعرفة بالكلام ... ثم السؤال فيه باقٍ ... ؛ فهذا الذي أوجب كون المتكلم متكلمًا أو قام بذاته ما هو؟" (ص39) . طالب الحد إنّما يسأل عن ماهية الشيء الذي يكون به قوامه [1] ، ولا يكون الحدّ حدًّا على الحقيقة ما لم يصلح لأن يكون جوابًا عن هذا السؤال، ومثل هذه التعريفات"إحالة على مبهم، والسؤال باقٍٍ" (ص45) ."

وقد استوقفت ابن سنان حدود البلاغة بوجه خاص، ونظر في بعض التعريفات المتداولة [2] آنذاك لينتهي إلى أنها من باب تعريف المجهول بالمجهول، وبذلك"يفسد قول من ادّعى أن حدّها الإيجاز من غير عجز، والإطناب من غير خطل، وقول من قال: البلاغة اختيار الكلام، وتصحيح الأقسام؛ لأن هذين إنما سئلا عن حدّ يبيّن الكلام المرفوض من المختار، والخطأ من الصواب، ويوضّح كيف يكون الإيجاز مختارًا، ومتى يقع الإطناب مرضيًّا محمودًا، فأحال على ما السؤال فيه باق، وعدم العلم معه موجود حاصل" (ص59 - ص60) . وشبيه بذلك قول القائل في تعريف البلاغة"أن تصيب فلا تخطئ، وتسرع فلا تبطئ"، فهو"إنما سئل عن بيان الصواب في هذه الصناعة من الخطأ، فجعل جواب السائل نفس سؤاله" (ص59) . هذه تعريفات قيلت في الإجابة عن سؤال السائل عن البلاغة ما هي، فعرّفت البلاغة بأنها قدرة لا عجز، وصواب لا خطأ، وكلام مختار لا مطّرح. والسائل لا يجهل ذلك؛ فهو يعرف أن البلاغة صفة قدرة لا عجز، وأنها قدرة على الإصابة وعلى الإتيان بالكلام الجيّد المختار، ولكنه يريد أن يعرف ماهيّة هذا الكلام الجيد الذي نسمّيه بليغًا، وكيف يميّزه من غيره، وكيف يفرّق بين ... الصواب والخطأ، وكيف يتبيّن آثار تلك القدرة البلاغية ودلائلها، وهذه أسئلة لم يتلقّ السائل (أو المتعلم) جوابًا عنها؛ فهو إنما سأل عن هذه القدرة البلاغية التي تمكّن لصاحبها في أن يأتي

(1) 43. انظر: الغزالي، الحدود، ص271 - ص273.

(2) 44. انظر مثلًا: الجاحظ، البيان والتبيين، 1/ 88 - 97؛ ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ... 1/ 241 - 250.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت