فهرس الكتاب
بالصواب لا الخطأ (وبالإيجاز في موضعه، والإطناب في محلّه الخ ... ) فقيل له: هي أن يأتي المتكلم بالصواب لا الخطأ.
ثمة عيوب أخرى في تعريفات البلاغة المتداولة، فالتعريف الأخير ... (أن تصيب فلا تخطئ الخ ... ) "يصلح لكل الصنائع، وليس بمقصور على صناعة البلاغة وحدها" (ص59) . تفوّق الصانع في صناعته، مهما كانت تلك الصناعة، هو في مدى إجادته لها وسرعته في أدائها، فليس في هذا التعريف ما يميّز صنعة البلاغة من غيرها، وكذلك تعريف بعضهم البلاغة بأنها"لمحة دالّة"لا يختص بالبلاغة وحدها"لدخول الإشارة من غير كلام يُتلفّظ به تحت هذا الحدّ" (ص59) . وفي هذا التعريف عيب آخر، فهو مجرد"وصف من صفاتها] يقصد بذلك الإيجاز [، فأما أن يكون حاصرًا لها، وحدًّا يحيط بها، فليس ذلك بممكن" (ص59) . أهل المنطق يقرّرون"أن الغرض بالحد هو الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة، حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يدخل فيه ما ليس منه"[1] ، أو في عبارة المتكلمين: أن يكون التعريف جامعًا مانعًا [2] ،"ونعني بالجامع كونه متناولًا لجميع أفراده ... وبالمانع كونه آبيًا دخول غيره فيه" [3] ، وهكذا فإن تعريفات البلاغة التي انتقدها ابن سنان ليست جامعة ولا مانعة.
هذه أمثلة من تعريفات البلاغة قبل ابن سنان، وهي في أحسن أحوالها عنده"إذا حُقّقت كانت كالرسوم [4] والعلائم، وليست بالحدود الصحيحة" (ص59) ؛ فقد تومئ إلى مفهوم البلاغة، وقد تصف جانبًا من جوانبه، ولكنها لا تتحقّق فيها شروط التعريف. وهي بعد ذلك عبارات مبهمة لا تخلو من شيء من الحذلقة وتعمّد الإغراب. وما زال البلاغيون والنقاد من قدماء ومحدثين يأخذون على أهل
(1) 45. جابر بن حيان، الحدود، ص165؛ وانظر: علي بن خلف الكاتب، مواد البيان، ص29.
(2) 46. الغزالي، الحدود، ص280.
(3) 47. السكاكي، مفتاح العلوم، ص436.
(4) 48. يفرق المناطقة بين الحد والرسم (انظر مثلًا: جابر بن حيان، الحدود، ص185) ، والرسم عندهم أدنى مرتبة من الحد، ولكنهم قد يتسامحون في تسميته حدًا، إذ كان كالحد يميز الشيء من غيره، أما عند ابن سنان فإن من غير الواضح أن لكلمة الرسوم معنى اصطلاحيًا، إلا أن من الواضح أن الرسم عنده لا يميز الشيء من غيره، وأنه ليس شبيهًا بالحد أو قريبًا منه.