فهرس الكتاب
صناعتهم غموض لغتهم وافتقارعباراتهم وتعريفاتهم إلى الدقة والتحديد [1] ، وفي هذا المعنى يقول ابن سنان:"والحدود لا يحسن فيها التأوّل، وإقامة المعاذير، وغرابة ألفاظ لا تدل على المقصود؛ لأنها مبنيّة على الكشف الواضح، موضوعة للبيان الظاهر، والغرض بها السلامة من الغامض، فكيف يوقع في غامض بمثله؟!" (ص59) . وانتقادات ابن سنان هذه لسابقيه كافية في إيضاح مذهبه الذي شُغل بنقدهم عن بيانه: ينبغي أن يكون التعريف مبيّنًا لحقيقة الشيء، شاملًا لجميع جوانبه أو أفراده، رافضًا لما ليس منه، مميّزًا له عن غيره، وأن يصاغ في عبارة واضحة دقيقة.
-ط-
والتعريفات، مهما كانت مستوفية لشروطها ومحكمة في صياغتها، فإنها وحدها غير كافية في إيضاح المفاهيم النقدية أو البلاغية في أذهان المتعلمين، فهذه المفاهيم تبقى نظرية مجرّدة ما لم تشفع بالأمثلة التي تنتقل بالمتعلم من المفهوم المجرّد إلى المثال المحسوس. وهذه، كما يقول ابن سنان،"فائدة التمثيل في جميع العلوم" (ص232) . لقد كانت الأمثلة موضع خلاف منذ القديم إن كانت وظيفتها البرهان أو الإيضاح [2] ، أي هل يُستدلّ بها على صحّة مبدأ بلاغي ما أم أن الغرض منها فهم المقصود بذلك المبدأ وحسن تصوّره واستيعابه فحسب. وعند ابن سنان أن المثال للإيضاح ليس غير"يُتدرّب بتأمّله على فهم مرادنا؛ فإن الأمثلة توضح وتكشف، وتخرج من اللبس إلى البيان، ومن جانب الإبهام إلى الإفصاح" (ص14 - ص15) .
المثال عند ابن سنان إذًا وسيلة إيضاح أو"وسيلة تعليمية"، في اصطلاح المربّين؛ يقول في الحديث عن الاستعارة مثلًا:"وإذا ذكرت الأمثلة بأن ... ] والصواب بان [القريب في الاستعارة من البعيد، وعُرف المرضيّ منها"
(1) 49. انظر: ابن وهب الكاتب، البرهان في وجوه البيان، ص163؛ السبكي، عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، 1/ 123 - 130؛ I. A. Richards, Principles of Literary Criticism, p. 2 ومن الطريف أن ريتشاردز يحشد هنا، كما فعل ابن سنان، عددًا من التعريفات والعبارات التي جرت على ألسنة النقاد ليبين افتقارها إلى الوضوح والتحديد.
(2) 50. انظر في هذا الشأن: (pseudo) Cicero, Rhetorica Ad Herennium, pp. 231, 237 - 238