فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 41

على جيد الكلام أم على رديئه. وربما بدا للناظر أن عموم منهج ابن سنان للصنفين كليهما أمر غير ذي صلة بالجانب التعليمي الذي نتحدث عنه، ولكن حقيقة الأمر أن الكلام على هذا الجانب بعينه كما سنرى في غير موضع - يتوقّف إلى حدّ غير قليل على كون منهجه مقصورًا على أحد الصنفين أو أنه عام فيهما معًا. ومن هنا كان لا بد لنا من أن نشير إلى مسألة العموم أو الخصوص هذه ونحن نفصّل القول في الأسس الثلاثة لمنهجه.

ولعلّ ذلك العموم أكثر ما يكون وضوحًا في إيثار ابن سنان الشعر على النثر (الأساس الأول في منهجه) . يقول في بيان ذلك وتعليله:"فأما اقتصاري في أكثر ما أمثّل به على المنظوم دون المنثور، مع أن كلامي عليهما واحد، فإنما أقصد ذلك لكثرة المنظوم واشتهاره، ورغبتي في أن يسهّل الوزن عليك حفظ ما أذكره، فإنه داعٍ قوي، وسبب وكيد" (ص77) . وإذا دقّقتَ النظر في ألفاظ ابن سنان هنا (وبخاصة قوله"في أكثر ما أمثّل به") ، وفي الأسباب التي علّل بها مذهبه في التمثيل بالشعر، ثم تصفّحت عامة الأمثلة التي حشدها في كتابه -وجدت أن ما يقوله هنا أقرب إلى أمثلة الإجادة والإحسان منه إلى أمثلة الرداءة والتقصير، فمن غير الممكن مثلًا أن ابن سنان يشير إلى أمثلة ما يُستقبح وهو يتحدث عن كثرة المنظوم واشتهاره.

والغرض التعليمي من التمثيل بالشعر واضح أيضًا لا يُحوجنا إلى الوقوف طويلًا عنده، وقد بيّنه ابن سنان في النص الذي اقتبسناه منه قبل قليل، فهو قد آثر اختيار أمثلته من الشعر لا لأنه ممن يفضّلونه على النثر [1] ، ولا لأن الأصول التي يقرّرها تختص بالمنظوم أو تتصل به أكثر من اتصالها بالمنثور، فلا فرق بينهما عنده من هذا الجانب -كما رأينا سابقًا- وما يصدق على أحدهما يصدق على الآخر، وإنما حمله على ذلك شهرة الشعر وتداوله بين الناس من وجه، وسهولة حفظه وتذكّره من وجه آخر. وقد جمع ابن سنان بين الأمرين في قوله:"لو اعتبرت أكثر الناس لم تجد فيهم من يحفظ فصلًا من رسالة غير القليل، ولا"

(1) 53. انظر: ص287 - ص288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت