فهرس الكتاب
تجد فيهم من لا يحفظ البيت أو القطعة إلا اليسير؛ ولولا ما انفرد به] الشعر[من الوزن الذي تميل إليه النفوس بالطبع، لم يكن لذلك وجه ولا سبب" (ص287) . سهولة حفظ الشعر أفضت إذًا إلى ذيوعه بين الناس، وهما أمران دفعا ابن سنان إلى تقديم الأمثلة الشعرية على غيرها تيسيرًا على المتعلمين، وهذا الغرض التعليمي ظاهر في الأمر الأول (سهولة الحفظ) لا يحتاج إلى شرح وبيان، وبحسبنا هنا أن نشير إلى المنظومات التعليمية التي ظهرت في شتى العلوم عند العرب وعند غيرهم. وأما الأمر الآخر (شهرة الشعر) فله صلة بالمسألة الآتية: الاختيار من شعر الفحول."
ذكرنا أن ابن سنان أوضح خطته في سياق حديثه عن التمثيل على العيوب لا على المحاسن، وقد شرط على نفسه"التمثيل بأشعار هؤلاء الفحول المتقدمين في هذه الصناعة"، على الرغم مما في البحث عن مواضع الرداءة والتقصير في أشعارهم"من الكلفة والنضب]وصوابها: النصب [؛ إذ كان قليلًا في كلامهم، مغمورًا بمحاسنهم، وكنت أفتقر إلى تأمّل الديوان الكامل حتى أظفر منه بالكلمات اليسيرة فأوردها مثالًا" (ص77) ، وما كان ليعاني تلك المشقّة لو أنه بحث عن تلك العيوب والمساوئ في دواوين المتخلّفين في صناعة الشعر،"ولو تأمّلت قصيدة واحدة من شعر من يدّعي القريض في هذا العصر وجدت فيها عدّة أمثلة لكل ما أكرهه وأنكره" (ص76) . فما الذي دعاه إذًا إلى ركوب المركب الصعب، وتجاوز السهل إلى الحزن؟ يمكن القول إن البلاغيين بعامة يميلون إلى أخذ أمثلتهم من مشهوري الأدباء وأعلامهم، ولكن ما ينفرد به ابن سنان عن البلاغيين العرب هو أنه صيّر ذلك ضربة لازب، واقتصر (نظريًا على الأقل) على تلك الأمثلة. وأهم من هذا لغرضنا هنا أنه جعل ذلك مذهبًا صريحًا لا ضمنيًا، واحتجّ له، وبيّن الأسباب التي حملته على اصطناعه[1] .
ثلاثة اعتبارات دفعت ابن سنان إلى الاختيار من شعر الفحول [2] وحدهم،"أولها صيانة هذا الكتاب عن تهجينه بذكر غيرهم" (ص76) . وهذا أمر لا يُعقل
(1) 54. وعند غير العرب انظر: (pseudo) Cicero, Rhetorica Ad Herennium, p. 229 ff حيث يعدد المؤلف حجج الذاهبين إلى أن الأمثلة ينبغي أن تؤخذ من الأدباء المشهورين (ولكنه يفند هذه الحجج بعد ذلك) .
(2) 55. الظاهر أن مفهوم الفحولة عنده يشير إلى شهرة الشاعر وسيرورة شعره. ومعظم الشعراء الذين يمثل بشعرهم أعلام معروفون، ولكننا نجد أحيانًا -ولو على قلة- أبياتًا لشعراء غير مشهورين، أو أبياتًا غير منسوبة أصلًا، انظر مثلًا: ص67، ص68، ص76، ص84، ص98، ص106.