فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 41

أن يكون مقصورًا على الأمثلة التي يوردها على العيوب ومواضع التقصير (على الرغم من أن حديثه إنما جاء في هذا السياق نفسه) ، وإلا كان علينا أن نتصوّر ما لا يمكن تصوره، وما لا ينسجم على أية حال مع الأمثلة التي احتواها كتابه فعلًا- وهو أنه يمثّل على الرديء بشعر الفحول، وعلى الجيد بشعر غيرهم، بل لعلّ حجّته ههنا في التمثيل بشعر الفحول المتقدمين ألصق بالأمثلة التي يستحسنها منها إلى تلك التي ينكرها ويسترذلها؛ فهو يريد باختياره من شعرهم أن يرتقي بكتابه كما صرّح بذلك، ولا يُعقل أنه يعني بهذا أن الرديء من شعر الفحول يعلي من شأن كتابه، وإنما يتحّقق له ذلك بذكر جيّدهم لا رديئهم.

وقد ترى أن كلام ابن سنان هنا إنما يعبّر ليس غير عن رغبته في عدم ابتذال كتابه بنماذج من إنتاج النظّامين ونكرات الشعراء وصغارهم، ولكننا نزعم أن ثمّة جانبًا تعليميًا في اختياره من شعر الأعلام المشهورين، وهذا الجانب تفسّره حجته في التمثيل بالشعر لسيرورته وشهرته. كل من الأمرين (شهرة الشعر بعامة، وشعر الفحول بخاصة) يفضي إلى تحقيق الغاية التعليمية نفسها (ولذلك آثرنا أن نؤخّر القول في موضوع سيرورة الشعر لنتناوله في هذا الموضع) : الابتداء مع المتعلم بما يعرف للانطلاق به إلى ما لا يعرف، أي ردّ المجهول إلى المعلوم كما يقول القدماء، أو بناء الخبرات الجديدة على خبرات سابقة في عبارة المشتغلين بالتربية اليوم. الشعر بخلاف النثر مشهور متداول، وأشعار الأعلام كالمتنبي وأبي تمام والبحتري وأضرابهم ذائعة سائرة، في حين أن المبادئ والأصول التي ندب ابن سنان نفسه لبيانها وتقريرها (يُفترض أنها) جديدة، أي مجهولة لم يسبق لقارئ كتابه بها علم. فإذا جيء بأمثلة مألوفة لتلك المبادئ غير المعروفة كان ذلك أيسر للمتعلم وآنس له مما لو كان ما يُلقى إليه جديدًا كلّه في مادته وأمثلته جميعًا؛ فإن من حلّ مدينة سبق له أن مرّ بها وسار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت