فهرس الكتاب
في بعض طرقاتها، لا يجد من الوحشة ما يجده من يأتي إليها أول مرة لا يعرف فيها شيئًا.
وثمة اعتبار تعليمي آخر يتعلّق بالتمثيل بشعر الفحول بخاصة: ابن سنان ههنا لا يبحث فقط عن أيّ مثال يفي بالغرض الآنيّ في توضيح مفهوم ما أو نكتة بعينها، بل لعلّه مثل عامة المشتغلين بتعليم الأدب يريد لأمثلته أن تكون، فضلًا عن وظيفتها التوضيحية المباشرة، نماذج أدبية رفيعة جديرة بأن يحتذيها ويحاكيها أو يتأثّر بها من أراد أن يكون منشئًا [1] (فيكون هذا من المواطن التي التفت فيها ابن سنان إلى صناعة الإنشاء) ، وأن يحفظها ويقيس عليها ويتذوّق ما فيها من جمال من يتطلّع إلى أن يصبح ناقدًا. وقد يفسّر ذلك عزوف ابن سنان عن الأمثلة التعليمية المصنوعة (نحو"زيد أسد") ؛ قد تكون هذه الأمثلة أقدر من غيرها على أداء الغرض التوضيحي، لأن المرء يفصّلها على قدّ مراده، ولذلك تجدها شائعة في كتابات البلاغيين والنحويين وسواهم؛ ولكنها لمّا كانت منحطّة فنّيًا وليست أهلًا للاحتذاء أو التذوق -لا جرم أعرض عنها ابن سنان الذي ألزم نفسه أن تكون أمثلته ليست نصوصًا شعرية حيّة فحسب، بل أن تكون من عيون الشعر.
والاقتصار على شعر الفحول له عند ابن سنان سبب ثانٍ من الواضح أنه مختصّ بالتمثيل على العيوب على وجه التحديد. وذلك"أن اللفظة التي تُكره في نظم هؤلاء الحذّاق تقع فريدة وحيدة يظهر مباينتها لكلامهم؛ فالعلم بها واضح، وكشفها جليّ، وقد قال حبيب بن أوس:"
وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحالٍ
وقال غيره قبله:
الجهل في الجاهل المغمور مغمور
(1) 56. انظر في ذلك: (pseudo) Cicero, Rhetorica Ad Herennium,p. 233