فهرس الكتاب
والعيب في الكامل المذكور مذكور
كفُوفة [1] الظفر تخفى من مهانته ... وبعضها في سواد العين مشهور
وليس مكانها في أشعار غيرهم كذلك، بل هي منظومة مع غيرها في القبح وأشكالها" (ص76) . الغرض التعليمي هنا واضح: الأمثلة وسيلة إيضاح، وفي مسألتنا هذه يُقصد بها إيضاح موضع من مواضع العيب أو التقصير، وهذا الموضع إذا وقع في قصيدة مستجادة، كما هي الحال فيما يأتي به الفحول عادة، فإنه يكون ظاهرًا بارزًا لافتًا للنظر، وليس كذلك إذا جاء في قصيدة من شعر الشعراء المقصّرين فإنه يكون مختلطًا بغيره من العيوب والمساوئ فلا يستبينه المتعلم إلا ببعض المشقّة، مثل ذلك مثل نقطة حبر على ثوب أبيض ناصع البياض تكون ظاهرة فاقعة تنادي على نفسها، ونقطة حبر مثلها على ثوب يزدحم بالبقع والأوساخ فلا تظهر إلا بعد بحث وتدقيق."
وأما السبب الثالث في التمثيل بأشعار الفحول، وهو أيضًا مختص بالأمثلة على العيوب، فقد قال ابن سنان في بيانه إن الغرض فيه"إيثاري أن أعلمك أن مقدّمي الفصاحة سامحوا نفوسهم، وأصبحوا في طاعة أهوائهم، ليتحقق أن الزلل في طباع البشر موجود، والعصمة عن أكثرهم بائنة" (ص76 - ص77) . وعبارات ابن سنان هذه، وإن كان على الأرجح يخاطب بها طالب النقد (وهذا أمر سنعود إليه فيما بعد) ، فإن لها صلة بصناعة الإنشاء أيضًا. غايته من إيراد تلك الأمثلة أن يبيّن أن الكمال غير ممكن، وأن"الزلل في طباع البشر موجود"، وهذا أمر له قيمة تعليمية إذ يؤدّي إلى الإبقاء على ثقة المتعلم بقدرته؛ فإذا كان الشعراء الأعلام يقعون في مثل هذه العيوب والسقطات، فإن الأديب المبتدئ ينبغي ألاّ تهون عزيمته إذا أُخذت عليه بعض الأخطاء، فهذا شيء لم يسلم منه شاعر قديم أو محدث حتى لو كان في منزلة امرئ القيس أو الفرزدق أو المتنبي وغيرهم من الشعراء المشهود لهم بالتفوّق والإجادة.
(1) 57. الفُوف نقط بياض في أظفار الأحداث، الواحدة فوفة، الزمخشري، أساس البلاغة، مادة ف وف.