فهرس الكتاب
وههنا تفسير آخر قد يكون أقوى من السابق: هؤلاء الفحول ما كانوا ليصلوا إلى هذه المنزلة لولا معرفتهم بالجيد والرديء، ولم تكن هذه الأبيات التي أُنكرت عليهم ليخفى عليهم موضع القبح فيها لو أنهم حاسبوا أنفسهم، ولم يستسلموا لأهوائهم التي زيّنت لهم استحسان كل ما نطقوا به. بيت مسلم بن الوليد مثلًا الذي يتناقله البلاغيون [1] :
سُلَّت وسَلَّت ثم سُلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
"لا غاية وراءه في القبح ... ولولا أن هذا البيت مرويّ لمسلم وموجود في ديوانه لكنت أقطع على أن قائله أبعد الناس ذهنًا، وأقلّهم فهمًا، وممّن لا يُعدّ في عقلاء العامة فضلًا عن عقلاء الخاصة. لكنّي إخال خطرة من الوسواس أو شعبة من البرسام عرضت له وقت نظم هذا البيت، فليته لمّا عاد إلى صحّة مزاجه، وسلامة طباعه، جحده فلم يعترف به، ونفاه فلم يُنسب إليه. وما أضيف هذا وأمثاله إلا إلى عوز الكمال في الخلقة، وعموم النقص لهذه الفطرة"... (ص104 - ص105) . وفي هذا دعوة إلى المنشئ شاعرًا أو كاتبًا لكي يجتهد في تهذيب ما ينظم أو يؤلف، ويتأنّى في إظهار ما أسرع إليه خاطره، فينفي منه كل ما يمكن أن يُطعن به عليه. إن في التمثيل على العيوب بشعر الفحول لدليلًا ساطعًا على أهمية أخذ الشاعر والكاتب بما أوصاهما به ابن سنان في الفصل الذي خصّصه لصناعة الإنشاء وختم به كتابه كما ذكرنا سابقًا، من"فرط التحرّز، وسوء الظن بالنفس" (ص290) . وإذا كان التساهل في مراعاة ذلك قد انتهى بأولئك الفحول إلى أن نصبوا أنفسهم هدفًا للوم وجعلوا من بعض شعرهم نماذج للرداءة والقبح، فما ظنّك بناشئة الأدباء الذين لم تستقم بعد أداتهم، ولم تتعمّق تجربتهم؟
أما الأساس الثالث في خطة ابن سنان فهو موضوعية الاختيار كما تقدم. ولئن كان من البلاغيين والنقاد من يتّخذ من الأمثلة وسيلة للترويج لأديب ما أو
(1) 58. انظر: القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، ص84؛ أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، ص335.