فهرس الكتاب
الطعن على غيره [1] ، لقد أسرع ابن سنان إلى أن يدفع عن نفسه شبهة كهذه. ولمّا كان قد بيّن معالم خطته تلك في أثناء حديثه عن أمثلة عابها فإنه يخشى خشية ظاهرة أن يُتّهم بأنه يقصد بتمثيله على العيوب بشعر الشعراء الكبار إلى الانتقاص من أقدارهم أو التشنيع عليهم، ولهذا تجده يؤكّد في غير موضع أنه يفعل ذلك متحرّرًا من أيّ غرض سوى أنه بلاغي يبحث لدواعٍ موضوعية بحت عن أمثلة توضّح مراده، فحيثما وجدها (في شعر الفحول الذين شرط على نفسه أن يقتصر عليهم) أخذها وضمّنها كتابه، كما يصوّر ذلك قوله:"وليس إيرادي هذه الأمثلة على جهة الطعن على هؤلاء الشعراء الفضلاء، والغضّ منهم. وكيف يكون ذلك وسأورد من غرائبهم وبدائع كلامهم ما يُعلم معه أننا تحت تقصير عن شأوهم، ويقع العجز عن إدراك القريب من غاياتهم؟ لكني إذا احتجت إلى إيراد الأمثلة في المختار والمنبوذ، والمحمود والمذموم، فلا معدل لي عن أشعارهم وتصفّح نظمهم، وأخذ ما أريده منها وإيراده عنها في الصنفين معًا" (ص74) . وليس لدى المرء سبب للشك في نزاهة ابن سنان في اختيار أمثلته؛ فأنت تجد عنده فعلًا، في مواضع كثيرة عزيزة على الحصر، أمثلة من شعر الشاعر الواحد على الجيد الرائع والمطّرح المسترذل جميعًا. ومع أنه شاعر على قدر ما من الأهمية، إلا أن مما يسترعي الانتباه حقًا عزوفه عن التمثيل بشيء من شعره (على ما في ذلك من قيمة تعليمية في نظر بعض البلاغيين [2] ، ولعله -وهو الذي يعتدّ بشعره اعتدادًا لا حدّ له [3] -إنما فعل ذلك فرارًا من شبهة الهوى والغرض.
(1) 59. انظر مثلًا ما يقوله زكي مبارك عن محاباة أبي هلال العسكري في كتاب الصناعتين للصاحب بن عباد وتعصبه على المتنبي، النثر الفني في القرن الرابع، 2/ 118 - 121. انظر تعليق محمد مندور على ذلك، النقد المنهجي عند العرب، ص225 - 229.
(2) 60. انظر: (pseudo) Cicero, Rhetorica Ad Herennium, pp. 243 - 251. ينبغي في رأي صاحب هذا الكتاب أن تكون أمثلة البلاغي كلها من كلام البلاغي نفسه، أو على الأقل أن يأخذها من أديب بعينه، ليكون ذلك حافزًا للمتعلم ومشجعًا له، إذ يدرك بذلك أن خصائص الجودة يمكن أن تجتمع في إنتاج شخص واحد، أما إذا أخذت الأمثلة من مصادر متعددة فإن ذلك يدفعه إلى الظن أن اجتماع تلك الخصائص في أديب واحد أمر بعيد المنال.
(3) 61. انظر مثلًا قوله:
لو كان في نظم القريض نبوّة ... صلّى عليّ السامعون وسلّموا
الديوان، ص193، انظر أيضًا: المصدر نفسه، ص81، ص151.