فهرس الكتاب
وإذا انتهينا إلى البعد التعليمي لموضوعية الاختيار، وهو ما يهمّنا هنا، فلا بد لنا من القول إن ابن سنان من أكثر النقاد العرب إلحاحًا على موضوعية النقد [1] ، وهو في أمثلته يريد أن يقرن القول بالعمل، واختيار الأمثلة من أهمّ المواطن التي تُختبر فيها موضوعية الناقد، ويصدّق فيها فعلُه قولَه. وكأن ابن سنان يريد هنا أن يقدّم لطالب النقد نموذجًا فعليًا حيًّا على الموضوعية، لا أن يكتفي بمجرد الدعوة النظرية إليها.
وثمّة وجه آخر في المسألة قد تكون الغاية التعليمية فيه أوضح وأقوى: موضوعية الاختيار تفضي لا محالة إلى وجود أمثلة على الجيد والرديء من شعر أولئك الفحول بأعيانهم الذين يمثّل ابن سنان بأشعارهم، وعند هذا الموضع يكون اللقاء بين موضوعية الاختيار ومقالة ابن سنان في استحالة الكمال في البشر. هذا ابن سنان نفسه يجمع بين المسألتين (الموضوعية واستحالة الكمال) حين يقول بعد أن أورد أبياتًا انتقدها على أبي تمام:"وتعالى الله كيف يذهب هذا على من يقول: ] ثم يعارض تلك الأبيات بأبيات يستجيدها لأبي تمام [ ... لكن أعوز الكمال، واستولى الخلل على هذه الطباع، فالمحمود من كانت سيئاته مغمورة بحسناته، وخطؤه يسيرًا في جانب صوابه. وقد قدّمنا فيما مضى من هذا الكتاب أننا لم نذكر هذه الأبيات الذميمة وغرضنا الطعن على ناظمها، وإنما قادتنا الحاجة في التمثيل إلى ذكر الجيد والرديء، والفاسد والصحيح، على ما ذكرناه سالفًا" (ص144) . وهكذا فإن اقتران اللوم بالثناء وسيلة يتوسّل بها ابن سنان إلى إثبات موضوعيته، وإلى أن ينفي عن نفسه شبهة التحامل على أعلام الشعراء (والنقاد كذلك[2] ، بل تجده يلتمس لهم الأعذار، كما يقول فيما سوف نقتبسه منه بعد قليل، متّكئًا في ذلك على مقالته في استحالة الكمال على نحو ما رأيناه هنا في حديثه عن أبي تمام، وما رأيناه من قبل في تعليقه على بيت مسلم بن الوليد. لقد زاوج بين تعنيفه مسلمًا بتلك العبارات الحادّة الساخرة والإقرار بتقدمه ... عندما نصّ على أنه لا يكاد يصدّق أنه قائل ذلك البيت. هذه المزاوجة ... تشهد
(1) 62. انظر مثلا: ص 285؛ وانظر أيضًا: عبد الكريم الحياري،"استقلال النص الأدبي عن مؤلفه في النقد العربي القديم"، مجلة أبحاث اليرموك، 14/ 15 وما بعدها.
(2) 63. انظر مثلًا: ص122 - ص123، ص140 - ص141، ص149.