فهرس الكتاب
بموضوعيته، ولكنها في الوقت نفسه جمع بين نقيضين، ولحلِّ هذا الإشكال يفزع إلى مبدأ استحالة الكمال للتوفيق بين النقيضين.
وقد كنّا تناولنا القيمة التعليمية لمسألة استحالة الكمال فيما يتّصل بالمنشئين، ونبيّن الآن ما يختصّ منها بمتعلّمي النقد (فإن الموضوعية التي نتحدث في سياقها الآن تتصل بنقد الأدب أكثر من اتصالها بإنشائه) . طالب النقد قد يؤخذ بشهرة الشاعر أو علوّ منزلته عند أهل الأدب، فيُساق إلى الظن أن كلّ ما يأتي به الشاعر المجيد جيّد أبدًا، وأن الشاعر الفحل منزّه عن الخطأ، والتمثيل على الجيد والرديء بشعر الفحول أنفسهم خير وسيلة لدفع هذا الوهم، وحمل الناقد على نبذ التقليد، والتحرّر من الهيبة من إخضاع شعرهم لموازين النقد التي لا مجال فيها للاحتكام إلى غير المبادئ والأصول الموضوعية التي بها وحدها يتميز الجيد من الرديء، والغثّ من السمين.
على أن طالب النقد قد يجني عليه إفراطه في النزوع إلى الاستقلال في الرأي؛"حبّ النظر" (في عبارة ابن سنان) قد يجمح بصاحبه فينتهي به إلى تقبيح ما ليس بقبيح، وإلى أن يبخس الناس حقوقهم، أدباء كانوا أم نقادًا، وعندما تستبدّ بالمرء شهوة الابتكار، وتلحّ عليه الرغبة في الاجتهاد، فلا عاصم له من الانحراف عن الصواب كتلك المبادئ والأصول تكون عقالًا لهذه الرغبة، وخطامًا لتلك الشهوة. لا يجوز"أن يخرجنا بغض التقليد، وحبّ النظر، من الطرف المذموم في الاتّباع والانقياد إلى الجانب الآخر في التسرّع إلى نقص الفضلاء، والتفنيد لما لعلّه اشتبه على بعض العلماء، والرغبة في الخلاف لهم، وإيثار الطعن عليهم" (ص144) . والطريق القويم في ذلك أن"ننظر في أقوالهم، ونتأمّل المأثور عنهم، ونسلّط عليه صافي الذهن، ونرهف له ماضي الفكر، فما وجدناه موافقًا للبرهان وسليمًا على السّبر اعترفنا بفضيلة السبق فيه، وأقررنا لهم بحسن النهج لسبيله، وما خالف ذلك وباينه اجتهدنا في تأويله [1] ، وإقامة المعاذير فيه، وحملناه على أحسن وجوهه ... علمًا أنهم لم يؤتوا من ضلالة، ولا كلال ذهن"
(1) 64. انظر في ذلك: ص151 في التعليق على رأي للشريف المرتضى.