فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 41

وفطنة، ولكن لاستمرار هذه القضية] أي استحالة الكمال [في المحدثين[1] وعمومها أكثر المخلوقين" (ص144 - ص145) ."

-ي-

طريقة ابن سنان في التأليف تميل ميلًا واضحًا إلى التبويب والتنظيم، ومع ذلك فإن آراءه في تعليم البلاغة (أو الفصاحة في مصطلحه) جاءت في معظم الأحيان على هيئة استطرادات خرج فيها عن موضوعه الذي هو فيه إلى الحديث عن جانبٍ ما ممّا يتّصل بالمسألة التعليمية، وكأن ابن سنان يرجّح مخالفة شروط التأليف على السكوت عن إعلان رأي له في هذا الباب، وقد يستقيم لنا أن نفسّر ذلك على أنه يعبّر عن مدى إلحاح تلك المسألة التعليمية عليه (كما أشرنا إلى ذلك في موضع سابق من هذه الدراسة) وعن إحساسه بحاجة البلاغي إلى أن يكون له مذهب واضح وخطّة معلومة فيها. ولعلنا أن نكون الآن قد أفلحنا في أن نبيّن أن لدى ابن سنان مذهبًا تعليميًا يتناول المسألة من جوانبها المختلفة، ما اتّصل منها بالغرض من تعليم البلاغة، أو"محتوى"المادة المدروسة، أو طريقة تقديم تلك المادة للمتعلّم، أو نوعية ذلك المتعلم (أو الفئة المستهدفة بهذا العلم كما يقال اليوم) . وقد تناول هذه الجوانب بعبارات صريحة قصدنا قصدًا أن نقتبس منها في مواضع متعد‍ّدة، لعلّها تنطق عن مدى وضوح المنهج التعليمي في ذهنه.

وفي ظنّنا أنّ ما يميّز ابن سنان عن غيره من البلاغيين العرب في هذا الباب هو وجود خطّة تعليمية لديه ابتداءً، ثم وضوح تصوّره لها، وشمولها المسألة التعليمية في وجوهها المتعدّدة. قد لا تجد بلاغيًا واحدًا لا يرى في نفسه معلّمًا للبيان أو النقد، والنبرة التعليمية عالية عند كثير منهم، ولكن من الصعب أن تجد نظيرًا لابن سنان في كونه صاحب مذهب تعليمي، ملامحه ظاهرة، ومعالمه بيّنة. ثمّة كثيرون ممّن تناولوا هذه الناحية أو تلك ممّا يتّصل بتعليم البلاغة، ولكنك قد لا تظفر ببلاغي آخر يضع بين يديك تصوّرًا للمسألة التعليمية على ... النحو الذي رأيناه عند ابن سنان، ويقدّم لك إجابات صريحة عن أهمّ الأسئلة التي لا بدّ من

(1) 65. لا يخفى أن كلمة المحدثين مستعملة هنا بمعناها في اصطلاح المتكلمين، والمقصود بها الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت