فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 41

واحد من البلاغيين المحدثين [1] ، غير أنه عند ابن سنان قد يُعدّ ثغرة في البناء النظري لمنهجه التعليمي؛ ذلك أنه بدأ كتابه بأن جعل تعليم الإنشاء في مقدمة الغايات التي تسعى العلوم الأدبية كلها إلى تحقيقها، ثم شُغل عنه أو كاد بالغرض النقدي من تعليم البلاغة كما شغل كذلك، وعلى نحو أوضح، عن الغرض الآخر المتصل بإعجاز القرآن، فكأنه انتهى إلى غير ما بدأ به. على أن ما يبدو من عدم اتّساق ههنا يمكن دفعه بالقول إن أهداف البلاغة في تعليم الإنشاء ومعرفة الإعجاز ترتدّ في نهاية الأمر إلى هذا الغرض النقدي، فهي متضمّنة فيه على نحو ما بيّنا في موضع سابق. فإن أبيتَ إلاّ أن يكون ذلك موطن خلل في منهجه، فلعلك لا تجد مواضع أخرى مثله تقرنها به، وعندئذٍ يمكننا أن نقرّر أن آراء ابن سنان (النظرية) في المسألة التعليمية لها نصيب في الانسجام والاتّساق كبير.

لا يخلو منهج ابن سنان التعليمي من ثغرات وعيوب، لعل أهمّها المسافة التي قد تتّسع بين النظرية والتطبيق. فإذا طلبت أمثلة من هذا القبيل فإن مسألة التعريفات تقف شاهدًا بارزًا على ذلك، فعلى الرغم من قيمة الحدود في نظره، فإن عنايته الفعلية بتعريف المصطلحات والمفاهيم التي تضمّنها كتابه متفاوتة تفاوتًا بيّنًا؛ لقد توفّر على بعض التعريفات، وأنفق في صياغتها جهدًا كبيرًا بلغ حدّ الإسراف؛ فهو يتتبّع الأصل اللغوي للمصطلح المراد تعريفه، ثم يصوغ ذلك التعريف في عبارة يجتهد في أن تكون واضحة جامعة مانعة، ويضمّنها من القيود والاحترازات ما يحتاط به ليأتي تعريفه غاية في الدقة والإحكام، ويقيم الأدلة ويقدّم الحجج لبيان صحّته، ويبطل الشبهات التي قد تثار عليه، ويرفض التعريفات الأخرى لذلك المصطلح ويتحدث عن وجه فسادها [2] . على أنه في أحيان أخرى كثيرة لا يقدّم سوى تعريفات قصيرة موجزة، وليس من غير المألوف عنده أن يتناول مفهومًا ما

(1) 71. يرى مصطفى الصاوي الجويني (البلاغة العربية، تأصيل وتجديد، ص202) أن الغاية من النقد والبلاغة كانت واحدة، وهي تمييز الجيد من الرديء، ثم استقل النقد بهذه الغاية وصار الغرض من البلاغة"اكتساب المهارة العملية في الإنتاج ... والأولى أن تصبح غاية البلاغة ذوقية لوثوق اتصالها بالنص القرآني. بينما النقد غايته العملية هي إكساب المهارة للإنتاج الأدبي". ويبينّ الأزهر الزناد (دروس في البلاغة العربية، ص6) أن هدفه"رتق الفجوة الموجودة في كثير من أذهان المبتدئين بين البلاغة والنقد الأدبي ... ] و [تمكين الطالب من مهارة الربط بين الاثنين فيحسن توظيف كل معلوماته في استخراج مواطن الجمال في النص". وعند الأوروبيين انظر: Peter Dixon, Rhetoric, p. 49 حيث يذكر أن البلاغة بدأت منذ القرن الثامن عشر تزداد قربًا من النقد، وتقدّمت الوظيفة النقدية فيها على وظيفتها الأخرى في تعليم فن الإنشاء.

(2) 72. انظر بوجه خاص تعريفه للكلام، إذ استأثر هذا التعريف بمعظم الفصل الذي خصصه للبحث في موضوع"الكلام" (ص32 - ص48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت