فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 41

دون أن يعرّفه على الإطلاق [1] . لا يمكن القول في تفسير ذلك إن ابن سنان يطنب في إيضاح المفاهيم المشكلة أو الخلافية ويوجز في تعريف ما هو واضح أو متّفق عليه؛ فقد ذكرنا فيما سبق أن آراءه في الحدّ والتعريف جاءت في معظمها في سياق نقده لتعريفات البلاغة عند الآخرين، ولكنه اكتفى ببيان ما في تلك التعريفات من عيوب -وقد أطال في ذلك- وذهل عن أن يصوغ للبلاغة تعريفًا يقرّه ويرتضيه.

وما سمّيناه المنهج التكاملي عند ابن سنان موضع آخر بدا فيه على نحوٍ ظاهر تخلّف التطبيق الفعلي عن الرأي النظري عنده، وبخاصة فيما يتصل بالاستفادة من أبحاث المتكلّمين في الدراسة البلاغية. هذا المنهج"التكاملي"يرى فيه ابن سنان سببًا لتميّز كتابه عمّا ألّف في موضوعه،"فهو مفرد في بابه، غريب في غرضه"... (ص15) . ولعلّنا لا نخالفه في ذلك لو أنه أحسن التطبيق؛ كتابه يتحدث عن مدى احتفائه بعلم الكلام ورسوخ قدمه فيه، ولكن علم الكلام عنده قد يتجاوز أحيانًا كونه أداة في يد البلاغي، ويتحوّل إلى غاية تطلب لذاتها. لقد أراد ابن سنان للفصول الأولى من كتابه (أربعة فصول في اللغة، والحروف، والصوت، والكلام) أن تكون موضوعات جديدة يدخلها إلى الدرس البلاغي، ويتجسّد فيها منهجه"التكاملي"، ولكن قارئ تلك الفصول يجد في غير موضع أنه قد خرج نهائيًا من حيّز البلاغة ومسائلها ليقرأ نصوصًا كلامية يصعب على طالب الأدب والنقد أن يتبيّن وجه الحاجة إليها، كما أشار إلى ذلك ضياء الدين بن الأثير الذي ينتقد فصول ابن سنان هذه على الرغم من أنه لم يجد في التراث البلاغي والنقدي قبله"ما يُنتفع به"إلا كتابين أحدهما"سر الفصاحة" [2] ، وبذلك فإن ابن سنان لم يستطع أن يقنع بمنهجه هذا أحدًا من البلاغيين والنقاد حتى أحسنهم رأيًا فيه، وأشدّهم تأثرًا به، ولا نعرف كتابًا ظهرت فيه تلك الفصول التي أضافها مرّة أخرى.

على أن هذه الثغرات، على خطرها، عيوب تتّصل بالجانب التطبيقي من منهج ابن سنان التعليمي، وقد كنّا نودّ لو أنه أحسن في تطبيق هذا المنهج - إذًا لكان له فيما نقدّر شأن آخر في تاريخ الفكر البلاغي العربي. ولكننا في نهاية الأمر إنما نتناول هنا آراء ابن سنان في تعليم البلاغة، فنحن معنيّون بالجانب النظري من ذلك

(1) 73. انظر مثلًا: اللفظ الوحشي (ص66) ، والمبتذل (ص73) ، والكناية (ص163) ، ولزوم ما لا يلزم (ص179) ، والاستدلال بالتعليل (ص277) .

(2) 74. انظر: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، 1/ 35 - 36؛ وانظر كذلك: محمد كامل حسنين الفقي، ابن سنان الخفاجي وسر الفصاحة، مجلة الأزهر، 14/ 86 - 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت