خيّم الصمت على بيتنا فترة بعد وفاة أبي وكانت أختي هي المرآة التي أرى بها الحياة . فأن رضيت أشرقت الدنيا في عيني وأن رأيتها عابسةً أو ذاهلةً تكدّرت حياتي . لكن أختي فطنت إلى ذلك وعمدت إلى أخفاء ألمها عني وقد كنت أصحو من نومي فأجدها تبكي فأبكي لبكائها ربما لا أدري لماذا ابكي غير أنني هكذا أرى أنني أندفع إلى ذلك بحكم حبي لها أما أخي إبراهيم فقد نهض بحمله كما يفعل الجبابرة من الرجال وغرس فينا قوّة العزيمة والصبر على تحمّل المشاق حتى لايضحك علينا الناس (كما كان يقول دائمًا ) ...
لم يكن عمي هزاع يرى أن من الواجب عليه مساعدتنا أو مد يد العون لنا . إلا كبقية أهل القرية بحكم النزاع الذي كان بينه وبين أبي قبل وفاته والذي استمر بعد ذلك وأورثنا خصومة لأناقة لنا فيها ولا جمل كما أن أخي لم يحاول التقرّب منه بعد أن رأى منه نفورًا من ناحيتنا .
مات أبي ولدينا ما يزيد عن مائة رأس من الغنم كان أخي هو المكلف برعيها في الجبال المحيطة بالوادي الملتف حول القرية ، أما أنا فكنت أساعد أختي في أعمال البيت أو في متابعة صغار الضان في أطراف القرية .
ومرت الأيام فتزوج أخي من سعاد .. فتاة من القرية وحملت عن أختي بعض أعباء المنزل .
كانت زوجة أخي طيّبةً وعطوفة وسرعان ما اندمجت في مجتمعنا الصغير بكل يسر وسهولة وكبرت أختي وتزوجت في القرية أيضًا وأكملت أنا دراسة الابتدائية.
كان أخي ذا جسم ضخم وعينان جاحظتان وشعر كثيف فيه من شبه أبي كثيرًا , يمشي في حمايته أغلب رعاة الأغنام عندما يذهب في المناطق البعيدة أو مناطق الشفا والأصدار التي تجثم في حنايا الجبال ، خصوصًا من النساء وصغار السن من الرعاة وكان لهم الأخ الأكبر والصديق والأب الرحيم . لم يكمل دراسته .. إلا أنه يحسن القراءة والكتابة .