في بيوت القرية الكبير والصغير وبعضها تسكنها عائلتان فقد يكون في الطابق الأرضي عائلة وأخرى في الدور الذي يليه بل كانت تعيش في الدور الواحد عائلتان أحيانًا وكثيرًا ما كانت البيوت مشتبكة يتخللها طرقات.. هذه طرقات استغلت سماؤها للتوسع في بعض البيوت وهناك طرقٌ تصل من شمال القرية إلى جنوبها وكذلك من شرقها إلى غربها من تحت بيوت القرية تتفرع منها طرقات صغيرة هنا وهناك , بحيث لا تبتل ثياب المستطرق لها عند حدوث الأمطار فقساوة الشتاء تطول في قريتنا والبرد هو العدو الأول للناس بحكم المناخ .. والخريف والشتاء في منطقتنا امتداد لطقس واحد .. فكانت هذه الطرقات كأنفاق للمشاة وكانت مظلمةً في بعض الأوقات خصوصًا عندما يجثم على القرية الضباب الكثيف الذي يغطّي الحقول والبيوت والأشجار فتنام تحت ذلك الغطاء الذي يحمي الأرض وما حوت من كل شئ وقد يمتد هذا الغطاء إلى أسابيع أحيانًا والناس لا يعرفون الكهرباء وأغلب الإضاءة لهذه الطرقات كانت تأتي من ضوء الشمس أو القمر عندما تسقط إليها من خلال المناطق الغير مسقوفة .. .
بالقرب من منزلنا كان منزل عبد الله عبد الرزاق وكانت ابنته سعيدة تأخذ غنمي مع غنمها عندما تسرح في الصباح إلى حيث يذهب الرعاة , كانت شابة جميلة مؤدبة قوية البنية بها من النشاط ما يحتاج إلى مثله أقرانها من الشباب ...
كانت تحب أن تسير معي وأنا كذلك وكنا نستبق الرعاة أو نتأخر عنهم عند عودتنا من المرعى ،
كنت أحبها في صمت وقد تكون تبادلني نفس الشعور الشيء الذي زاد من غيرة أولئك الشباب والشابات اّلذين نلتقي بهم في المراعي فلم نُعر لذلك بالًا ... وأنا كنت أجتهد أن تبقى غنمي وإياها مع بعضها طيلة النهار .
كنت أرى فيها أنس الجليس وصدق المشاعر إنني أحبها ولا أستطيع أن أقول لها ذلك خوفًا من أن هذا الأمر قد يضايقها فأفقدها نهائيًا لذلك اكتفيت بذلك التقارب الذي كنت أعيش فيه معها ..