فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 187

عندما يذكر الله سبحانه المحرمات من الأطعمة في آيات من كتابه الكريم وهي الآيات التي أسلفنا ذكرها يشرع للضروريات ما يناسبها فيبيح في حالة الضرورة بقدر ما يدفعها مما حرمه في حال السعة فجاء الاستثناء في كل آية ناصًا على هذا الحكم: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة آية (173) .

{إلا ما اضطررتم إليه [الانعام آية (119) .] فمن إضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم} [سورة النحل آية ( 115) .]

وهذا من رحمته سبحانه بعباده حيث جعل تشريعاته تتمشي مع أخوالهم وتساير قدراتهم ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ورفع عنهم الآصار والأغلال فللمضطر أن يأكل عند الضرورة الميتة والدم ولحم الخنزير وله أن يشرب عند الضرورة ما يرويه من المياه النجسة التي ترويه أما الخمر فمنع أكثر الفقهاء من شربها في حالة العطش لأنها تزيده عطشًا .

فإن قيل كيف أبيحت هذه المحرمات في حال الضرورة مع ما فيها من الضرورة والتغذية الخبيثة فالجواب: أن إباحة هذه المحرمات للمضطر وإن كانت تغذي تغذية خبيثة مما كان سببًا في تحريمها إلا أن مصلحة بقاء النفس مقدمة على دفع هذه المفسدة مع أن ذلك عارض لا يؤثر فيه مع الحاجة الشديدة أثر أيضًا [مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ص340ـ345 ج 2 وص79 ج 21 ببعض تصرف .] فتأثير وصف الخبث في هذه الأشياء منتف في هذه الحالة (لأنه غير مستقل بنفسه في المحل المغتذي به بل هو متولد من القابل والفاعل فهو حاصل من المغتذي والمغتذي به ونظيره تأثير السم في البدن هو موقوف على الفاعل والمحل القابل فتناول هذه الخبائث في حال الاختيار يوجب حصول الأثر المطلوب عدمه فإذا كان المتناول لها مضطرًا فإن ضرورته تمنع قبول الخبث في المغتذي به فلم تحصل تلك المفسدة لأنها مشروطة بالاختيار الذي به يقبل المحل خبث التغذية فإذا زال الاختيار زال شرط القبول فلم تحصل المفسدة أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت