فهرس الكتاب
ونرى شيخ الإسلام ابن تيمية يرجح هذا حين يقول [في مجموع الفتاوى ص178ـ180 ج17] وهو في معرض الرد على نفاة حكمة الرب الثابتة في خلقه وأمره ما نصه:"وقال تعالى: {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} فلو كان معنى الطيب هو ما أحل كان الكلام لا فائدة فيه فعلم أن الطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان وليس المراد به مجرد التذاذ الأكل فإن الإنسان قد يلتذ بما يضره من السموم وما يحميه الطبيب منه ولا المراد به التذاذ طائفة من الأمم كالعرب ولا كون العرب تعودته فإن مجرد كون أمة من الأمم تعودت أكله وطاب لها أو كرهته لكونها ليس في بلادها لا يوجب أن يحرم الله على جميع المؤمنين ما لم تعتده طباع هؤلاء ولا أن يحل لجميع المؤمنين ما تعودوه كيف وقد كانت العرب قد اعتادت أكل الدم والميتة وغير ذلك وقد حرمه الله تعالى وقد قيل لبعض العرب ما تأكلون قال: ما دب ودرج إلا أم حبين فقال ليهن أم حبين العافية ونفس قريش كانوا يأكلون خبائث حرمها الله وكانوا يعافون مطاعم لم يحرمها الله وفي الصحيحين عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قدم له لحم ضب فرفع يده ولم يأكل فقيل أحرام هو يا رسول الله قال لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"فعلم أن كراهة قريش وغيرها لطعام من الأطعمة لا يكون موجبًا لتحريمه على المؤمنين من سائر العرب والعجم.
وأيضًا فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه لم يحرم أحد منهم ما كرهته العرب ولم يبح ما أكلته العرب.
وقوله تعالى: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} إخبار أنه سيفعل ذلك فأحل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الطيبات وحرم الخبائث مثل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير فإنها عادية باغية فإذا أكلها الناس والمغتذي شبيه بما تغذى به - صار في أخلاقهم شبه من أخلاق هذه البهائم وهو البغي والعدوان.