فهرس الكتاب
فعلينا أن نعلم أولادنا كيف يختارون الصديق، وأن نكون على علم بذلك، ورقابة له، وذلك بأن يسبر غوره، ويكشف حاله، ويتعرّف على أخلاقه، وألا يغتر بالتصنع والملق، فيدفعه حسنُ الظن إلى اتخاذه صديقًا، فالملق والنفاق مصايد العقول، وتدليس مضرّ، وليس فيما يتصف بهما خير يرجى، ولا صلاح يؤمّل؛ ولذا قالت الحكماء:
اعرفِ الصديق م نفعله لا من قوله، واعرف محبّته من سلوكه وعينه، لا من تصنعه ولسانه.
فالعينُ تعرف من يعني محدّثها
إن كان من حِبِّها أو من أعاديها
ولله درّ من قال:
باح دمعي فليس يكتم سرًا ووجدت اللسان في كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طيٌّ فاستدلوّا عليه بالعنوان
وقديمًا سألت مجلةٌ أدبية هذا السؤال:
مالي أرى الشَّمع يبكي في مواقده
خوفًا من النار أم من فرقة العسل؟
فكان أحسنَ ردّ وجواب قولُ القائل:
من لم تجانِسه احذر أن تجالسه
ما ضرّ بالشمع إلا صحبة الفتل
وما أحسن ما قال الشاعر:
كم من أخٍ لك لست تنكره ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودّته يلقاك بالترحاب والبشرِ
فإذا عدا- والدهرُ ذو غِيَرٍ- دهرٌ عليك عدا مع الدّهرِ
فترفض بإجمال مودّة من يقلي المقل ويعشق المثري [1]
وعليك من حلاه واحدة في العسر إمّا كنت واليسرِ [2]
وقد ورد عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قوله: ليس شيء أدلَّ على شيء، ولا الدخان على النار، من الصاحب على الصاحب.
وفي هذا يقول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسَل عن قرينه
فكلُّ قرينٍ بالمقارن يقتدي
إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارهم
ولا تصحبِ الأردى فتردى مع الردي
فيجب أن يتحرَّر المرءُ من دخلاء أهل السوء، ويبتعد عن أهل الرِّيَب، ليكون مصون العرض، سليم السّمعة.
والمظهر الحسن ليس دليل القلب الطيب دائمًا، فليحذر العاقلُ أن يصاحبَ من يحس ظاهره، وباطنه خبيث.
ألم تر أنَّ الماءَ يخبثُ طعمه وإن كان لونُ الماء أبيض صافيا
(1) (( يقلي المقل ) ): يكره الفقر.
(2) (( عليك من ) ): الزم الذي.