فهرس الكتاب
حدَّثوا أنَّ حكيمًا نظر إلى رجل سوء، حسن المظهر، سيئ المخبر، فقال فيه:
أما البيت فحسن وأما الساكن فرديء، فأفاد الشاعر من هذا فقال:
ربِّ ما أبين التباين فيه منزل عامر وعقل خراب
ولذا قال أحد الحكماء: يا بني! قبل أن تصاحب أحدًا افعل ما يثير غضبه، فإن تصبَّر وتأدب فصاحبه، وإن أساء وغضب فاتركه.
لأنَّ من مل يقدم الامتحان على الثقة، والثقة على المودة، أثمرت صداقته ندمًا وحسرة، والمقاطعة قبل الاختبار أفضل من الصحبة على اغترار.
والصديق الوفي تتوفر فيه أربع خصال:
(1) عقل راجح موفور، يهدي صاحبه إلى مراشد الأمور، فإنَّ الحمق لا تثبتُ معه مودة، ولا تدوم صحبة. وقد ورد في الخبر:
البذاء لؤم، وصحبة الأحمق شؤم؛ ذلك لأن الأحمق يضرّ من حيث يظنّ أنه ينفع.
فإن خيرت بين الناس فالصق بأهل العقل منهم والحياء
فإنَّ العقلَ ليس له إذا ما تفاضلت الفضائل من كِفاء [1]
وقال الشاعر:
احذر الأحمقَ أن تصحبه إنما الأحمقُ كالثوب الخلق [2]
كلما رقعت منه جانبًا حركته الريح وهنا فانخرق
كحمار السّوء إن أشبعته رَمَح الناس وإن جاع نهق
أو كصدع- في زجاج- فاحش هل ترى صدع زجاج يرتتق؟
وقال آخر:
ولا تصحب أخا الجهلِ وإيِّاك وإيِّاهُ
فكم من جاهل أردى حكيمًا حين آخاهُ
يُقاسُ المرء بالمرء إذا ما المرءُ ما شاهُ
وللشيء على الشيء مقاييسٌ وأشباهُ
وللقلب على القلب دليلٌ حين يلقاه
(2) الخوف من الله تعالى، فهو رِدءٌ عند الحاجة، وعونٌ عند النائبة، وأنيس في الوحشة، وزين عند العافية، والخليل بلا دين خلٌّ وعَلقم.
وفي القرآن الكريم: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } الزخرف: 67
وفي الحديث الشريف: (( لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ) ) [3]
(1) (( كفاء ) ): مثيل.
(2) (( الخلق ) ): البالي.
(3) رواه أحمد (3/38) وأبو داود في الأدب (4832) والترمذي في الزهد (2395)