ومما يجدر ذكره أيضًا، أنّ هذه العناية الربانية، يمكن أن تتحقق لأبناء الدعوة، وللدعوة ذاتها، في أي زمنٍ من الأزمان، وأي عصرٍ من العصور .. بشرط أن يمتلك هؤلاء الأبناء عوامل استحقاقها، بكل ما يعنيه هذا الكلام من معنىً وأبعاد.
السيرة النبويّة المطهّرة، وأبعادها الأمنية:
مراحل السيرة النبويّة متداخلة فيما بينها، لا ينفصل بعضها عن بعضٍ انفصالًا واضحًا، وكل مرحلةٍ تحمل بذور المرحلة التي تليها، ثم تتشابك كلها بحيث تشكّل وحدةً تاريخيةً منسجمةً متكاملة، ولا يعني تقسيمنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مراحل، سوى تسهيل الدراسة والاستنباط، وربط ذلك بالطابع العام الذي يميّز كل مرحلةٍ عن غيرها بوضوح .. وبناءً على ذلك، فإنّ السيرة المطهّرة يمكن تقسيمها إلى المراحل التالية:
أولًا: المرحلة المكّية:
وهي مرحلة تكوين الإيمان، وتأسيس البنيان الإيمانيّ الذي سيحمل أعباء الدعوة المقبلة ويمضي بها، حتى يتحقق هدف الإسلام في الأرض .. وهذه المرحلة"المكية"يمكن تجزئتها إلى جزأين:
1)المرحلة السّرية للدعوة:
وتميزت بسرّية الدعوة، وسرّية التنظيم .. أي أنّ الدعوة إلى الدين الجديد"الإسلام"كانت تأخذ طابعًا سرّيًا، وأنّ توزيع المهمات، وترتيب الأعمال والنشاطات، و .. كان سرّيًا أيضًا لا يطّلع عليه أحد إلا المعنيّون بذلك، ولا يطّلع فرد مسلم على مهمة أخيه المسلم الآخر، والكلّ يتحرك نحو الهدف تحت إمرة الرجل الأول، الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الرجل الذي لا يتحرك ولا يعمل إلا بما يأمره به الله سبحانه وتعالى، وفق الناظم الأساس، الذي هو تعاليم الدين الجديد، مع حرّيةٍ في الحركة اليومية واتخاذ الإجراءات والقرارات والترتيبات، التي تكفل حماية هذا البناء وهذا الطريق من جهة، ونجاحه في تحقيق أهدافه الربانية من جهةٍ ثانية.
هكذا امتدّت هذه المرحلة إلى ثلاث سنواتٍ من العمل الشاقّ الذي لا يعلم به أحد، إلا الله عز وجل، وأبناء الدّعوة الذين انضمّوا إليها، وانخرطوا في صفوفها.
2)المرحلة العلنيّة للدّعوة: